كتاب التفسير البسيط (اسم الجزء: 13)

قال أبو إسحاق: (أن) الأولى نصب والثانية رفع، المعنى: ما منعنا الإرسالَ إلا تكذيبُ الأولين، والتأويل: أنهم سألوا الآيات التي استوجب بها الأولون العذاب لما كذبوا بها (¬1)، وحقيقة المعنى: إنّا لم نرسل بالآيات؛ لئلا يكذب بها هؤلاء كما كذب مَنْ قبلهم، فيستحقوا المعاجلة بالعقوبة.
فإن قيل: ما معنى قوله: {وَمَا مَنَعَنَا} والله تعالى لا يجوز أن يكون ممنوعًا عن شيء؟! قلنا: معناه هاهنا المبالغة في أنه لا يفعل ذلك، فكأنه قد مُنع منه؛ وذلك أن الإرادة الأزلية قد سبقت بتدبير الأمور وإمضائها؛ لا يؤخرُ منها مَقَدّم ولا يُقَدمُ مؤخّر، فإذا منعت الإرادة والمشيئة أمرًا جاز إطلاق لفظ المنع على الوجه الذي ذكرنا، والباء في قوله: {بِالْآيَاتِ} زيادة (¬2)، والمعنى: أن نرسل الآيات، والآية مختصرة؛ لأن التقدير: {إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ} فأهلكناهم، قال المفسرون: وسنة الله في الأمم إذا سألوا الآيات فأتتهم ثم لم يؤمنوا أن يعذبهم ولا يمهلهم (¬3).
¬__________
= وأورده الهيثمي في "المجمع" 7/ 50، عن ابن عباس بروايتين وقال: ورجال الروايتين رجال الصحيح، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 343 وزاد نسبته إلى ابن المنذر والطبراني وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس، وقال شاكر في "شرح المسند" 2/ 96. إسناده صحيح، وورد بنحوه في "تفسير السمرقندي" 2/ 274، عن ابن عباس، و"هود الهواري" 2/ 427، و"الثعلبي" 7/ 111 ب، انظر: "لباب النقول" ص 137.
(¬1) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 247 بنصه.
(¬2) يقصد زيادة للتأكيد، انظر التعليق على اتاقول بالزيادة في القرآن، عند آية [10] من سورة إبراهيم.
(¬3) ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 111 ب بنصه تقريبًا، انظر: "تفسير الخازن" 3/ 169.

الصفحة 374