كتاب التفسير البسيط (اسم الجزء: 14)

قال أبو إسحاق: (لا يجوز أن يخاف زكريا أن يورث المال؛ لأن أمر الأنبياء والصالحين أنهم لا يخافون أن يرثهم أقرباؤهم ما جعله الله لهم) (¬1). وكان يحيى بن يعمر (¬2) يقول: (لئن كان إنما قال يرثني مالي إن كان إذا لجشعا) (¬3).
قال أبو علي: (لا يخلو هذا من أن يكون أراد يرث مالي، وعلمي، ونبوتي، وفيما أثر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أنه قال: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" (¬4). دلالة على أن الذي سأل أن يرثه وليه ليس
¬__________
= من أن يشفق على حاله إلى ما هذا حده، وأن يأنف من وراثه عصابته له ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم هذا وجه.
والثاني: أنه لم يذكر أنه كان ذا مال بل كان نجارا يأكل من كسب يديه ومثل هذا لا يجمع ولا سيما أن الأنبياء كانوا أزهد شيء في الدنيا.
والثالث: أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا نورث مما تركنا صدقه". وعلى هذا فيتعين أن المراد ميراث النبوة. وانظر: "زاد المسير" 5/ 209، "أضواء البيان" 4/ 206.
(¬1) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 320.
(¬2) يحيى بن يعمر العدواني، أبو سليمان البصري، قاضي مرو، إمام تابعي ثقة، فقيه مقرئ، نحوي أديب، عالم باللغة، يقال أنه أول من نقط المصحف، مات -رحمه الله- قبل المائة وقيل بعدها. انظر:"سير أعلام النبلاء" 4/ 441، "غاية النهاية" 2/ 381، "تهذيب التهذيب" 11/ 305، "معجم البلدان" 20/ 42.
(¬3) لم أقف عليه، وهو قول بعيد؛ لأنه لا يصح أن يقال ذلك في حق الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- فهو وصف لا يليق بمكانة نبي الله زكريا -عليه السلام-، وحاشاه أن يوسف بالجشع وهو صفة ذم، والأنبياء عليهم السلام لهم صفات المدح والثناء فمَد اصطفاهم الله واختصهم بالنبوة وشرفهم بها.
(¬4) أخرجه البخاري: كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب قرابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومنقبة فاطمة عليها السلام 3/ 1360، ومسلم: كتاب: الجهاد والسير باب قول =

الصفحة 195