كتاب التفسير البسيط (اسم الجزء: 14)

{فَحَمَلَتْهُ}.
وقوله تعالى: {فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا} أي تنحت بالحمل إلى مكان بعيد. قال ابن عباس: (يريد أقصى الوادي) (¬1). وهو: وادي بيت لحم (¬2) (¬3). وهذا الإنتباذ إنما كان عند وضعها، فرارا من زكريا ومن قومها أن يعيروها بولادتها من غير زوج.
قال ابن عباس: (ما هو إلا أن حملت فوضعت) (¬4). وعلى هذا دل ظاهر قوله: {فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ} ذكر الانتباذ عقب الحمل، والانتباذ إنما كان عند الوضع (¬5) والقَصِي فَعِيْل بمعنى فَاعِل من قَصَى يَقْصُو إذا بعد (¬6)،
¬__________
(¬1) "معالم التنزيل" 5/ 224، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 92.
(¬2) بيت لحم: بالفتح وسكون الحاء قرية قرب البيت المقدس، عامرة حافلة، وهي مهد عيسى -عليه السلام-، ومن قرى فلسطين. انظر: "معجم البلدان" 1/ 521.
(¬3) "المحرر الوجيز" 9/ 445، "معالم التنزيل" 5/ 224، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 92، "أضواء البيان" 4/ 240.
(¬4) "بحر العلوم" 2/ 321، "معالم التنزيل" 5/ 224، "الكشاف" 2/ 408، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 119 وقال: وهذا غريب، "الدر المنثور" 4/ 479، "زاد المسير" 5/ 218.
(¬5) وهذا خلاف قول الجمهور. قال ابن كثير في "تفسيره" 3/ 129: فالمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر .. والفاء وإن كانت للتعقيب لكن تعقيب كل شيء بحسبه.
وقال ابن عطية في "تفسيره" 9/ 445: وظاهر قوله: (فأجاءها المخاض) يقتضي أنها كانت على عرف النساء، وتظاهرت الروايات على ذلك.
وقال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 244: وأظهر الأقوال أنه حمل كعادة حمل النساء وإن كان منشؤه خارقا للعادة.
(¬6) انظر: "تهذيب اللغة" (قصا) 3/ 2969، "مقاييس اللغة" (قصوى) 5/ 94، "لسان العرب" (قصا) 6/ 3657، "المفردات في غريب القرآن" (قصى) 405.

الصفحة 218