كتاب التفسير البسيط (اسم الجزء: 17)

وقوله تعالى: {لَا يُؤمِنُونَ بِه} قال: أخبر أنه لما سلك في قلوبهم الشرك منعهم من الإيمان به (¬1). وتفسير القدرية لقوله: {كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ في قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} أمررنا القرآن في قلوبهم بإخطاره ببالهم لتقوم الحجة عليهم (¬2). وهذا التفسير خَلْفٌ (¬3) فاسد؛ لم يقله أحد من المفسرين، ولا أصحاب المعاني إلا القدرية؛ وكيف يصح هذا والله تعالى يقول: {لَا يُؤمِنُونَ بِه} أفتراه سلك القرآن في قلوبهم حتى لا يؤمنوا؟ وكان من الواجب أن يؤمنوا إذا أدخل الله القرآن في قلوبهم، ثم السلك ليس بمعنى: الإمرار والإخطار؛ إنما هو بمعنى: الإدخال والإثبات، كسلك الخيط في الحريرة، يدل على هذا قوله تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ في سَقَرَ} [المدثر 42] لا يجوز أن يقال في معناه: ما أخطركم بها. والهاء في قوله: {سَلَكْنَاهُ} تعود إلى معنى قوله: {مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِين} ومعناه: كذبوا، وكذبوا يدل على التكذيب فكنى عنه، وهو قول المفسرين وأهل المعاني: سلكنا الشرك وسلكنا التكذيب، فظاهر الآية يدل على صحة قول مقاتل، وأن هذا إخبار عن مشركي مكة ولو كان خبرًا عن مشركي الأمم المتقدمة لقيل: لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم فأتاهم بغتة، وقد قال:

202 - {فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً} يعني العذاب (¬4) {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} به فيتمنوا الرجعة والنَّظِرَهَ (¬5)، وهو قوله:
¬__________
(¬1) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 102.
(¬2) بنصه، قول الطوسي، في تفسيره 8/ 63. بلفظ: "أقررناه في قلوبهم بإخطاره" وهذا تصحيف، والصواب: أمررناه.
(¬3) يقال: هذا خَلْفٌ من القول؛ أي. رديء. "تهذيب اللغة" 7/ 394 (خلف).
(¬4) "تنوير المقباس" 314. و"تفسير مقاتل" 55 أ.
(¬5) "تفسير السمرقندي" 2/ 484، والماوردي 6/ 130، ولم ينسباه.

الصفحة 133