كتاب التفسير البسيط (اسم الجزء: 17)

والمراد بالنار هاهنا: النور، وذلك أن موسى رأى نورًا عظيمًا فظنه نارًا لذلك ذكرها هنا بلفظ النار (¬1)، والمعنى: بورك الله الذي في النار، وحسن هذا؛ لأنه ظهر لموسى بآياته وكلامه من النار (¬2).
وهذا كما روي أنه مكتوب في التوراة: جاء الله من سيناء يعني: بعث الله موسى من سيناء حتى يدعو الخلق إليه، ويعرفهم توحيده ودينه
¬__________
(¬1) "الوسيط" 3/ 369، وصدره بقوله: ومذهب المفسرين. ونقله عنه الشوكاني 4/ 122، ولم يعترض عليه. وذكره الماوردي 4/ 195، ولم ينسبه. واقتصر عليه ابن كثير 6/ 179، وذكر عن ابن عباس، أنه قال: نور رب العالمين. وأخرجه ابن جرير 19/ 134، بلفظ: يعني نفسه، قال: كان نور رب العالمين في الشجرة. ثم ذكر ابن كثير بعد ذلك حديثَ أَبِي مُوسَى؟ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- (إِنَّ الله لا يَنَامُ وَلا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيرْفَعُهُ حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهَا لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ ثُمَّ قَرَأَ أَبُو عُبَيْدَةَ: {أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}. أخرجه ابن ماجه 1/ 71، المقدمة، رقم: 196. ومسلم 1/ 162، كتاب الإيمان، رقم: 179. دون ذكر الآية. وصححه الألباني، "صحيح سنن ابن ماجه" 1/ 39، رقم: 162. وجوَّد إسناده محقق مسند أبي يعلي الموصلي 13/ 245. قال السيوطي: أخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب، قال: النار: نور الرحمن. "الدر المنثور" 6/ 341.
قال سعيد بن جبير: كانت النار بعينها. "تفسير البغوي" 6/ 145، ثم قال البغوي والنار إحدى حجب الله تعالى، كما جاء في الحديث (حجابه النار). وهي رواية للحديث السابق أخرجها الإمام أحمد، مسند الكوفيين، رقم: 19090. والذي يظهر -والله تعالى أعلم- صحة هذا التأويل، ولا يلزم من القول به لوازم باطلة فإن الله تعالى قد أخبر بنفسه عن نفسه بذلك كما أخبرنا عن تجليه سبحانه وتعالى للجبل فقال: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} [الأعراف: 143] والله أعلم.
(¬2) "التبيان في تفسير القرآن" 8/ 77.

الصفحة 166