كتاب التفسير البسيط (اسم الجزء: 17)

القول الثاني: قال: هذا الاستثناء ليس من المرسلين، ولكنه من متروكٍ في الكلام على تقدير: {إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} إنما الخوف على غيرهم، ثم استثنى فقال: {إِلَّا مَنْ ظَلَمَ} أي: أشرك، فهو يخاف عذابي (¬1) {ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ} يعني توحيدًا بعد شرك. أي: فتاب وعمل حسنًا فذلك مغفور له ليس بخائف (¬2).
قال ابن قتيبة: وهذا يبعد؛ لأن العرب إنما تحذف من الكلام ما يدل عليه ما يظهر، وليس في ظاهر الكلام دليل على هذا التأويل (¬3). والقول الأول قول مقاتل (¬4)، والثاني قول الكلبي (¬5).
قال ابن الأنباري: الذي استقبحه ابن قتيبة من قول الفراء عندي جيد غير قبيح؛ لأنه لما قال: {لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} كان معناه: يأمن المرسلون عندي ويخاف غيرهم، فاكتفى بالشيء من ضده، كما قال: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرّ} [النحل: 81] (¬6). وذهب قوم إلى أن هذا من الاستثاء المنقطع؛ المعنى: لكن من ظلم من العباد ثم تاب {فَإِنِّي غَفُور
¬__________
(¬1) اختار هذا القول ابن جزي 503. ورد هذا القول النحاس، فقال: استثاء من محذوف محال؛ لأنه استثناء من شيء لم يذكر، ولو جاز هذا لجاز: إني أضرب القوم إلا زيدًا، بمعنى: لا أضرب القوم إنما أضرب غيرهم إلا زيدًا، وهذا ضد البيان، والمجيء بما لا يعرف معناه. "إعراب القرآن" 3/ 200.
(¬2) "معاني القرآن" للفراء 2/ 287. وذكره السمرقندي 2/ 490، عن الكلبي.
(¬3) "تأويل مشكل القرآن" 219.
(¬4) "تفسير مقاتل" 57 أ.
(¬5) "تنوير المقباس" 316.
(¬6) ذكر هذا الخطيب الإسكافي، درة التنزيل 336، ولم ينسبه، وفيه: فحذف البرد لعلم المخاطبين به.

الصفحة 174