كتاب التفسير البسيط (اسم الجزء: 17)

وهذا قول الفراء (¬1).
واللام في الوجهين داخلة على مفعول له ثم حذفت، وموضع أن نصب بقوله: {فَصَدَّهُمْ}، ويجوز أن يكون موضعها خفضًا ولو حذفت اللام. والوجه: قراءة من قرأ بالتشديد لتجري القصة على سَنَنِها، ولا يفصل بين بعضها وبعضٍ بما ليس منها، وإن كان الفصل بهذا النحو غير ممتنع؛ لأنه يجري مجرى الاعتراض، وما يسدد القصة، وكأنه لما قيل: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ} فدل هذا الكلام علي أنهم لا يسجدون لله، ولا يتدينون بدين. قال الهدهد: ألا يا قوم، أو يا مسلمون اسجدوا لله الذي خلق السموات والأرض، خلافًا عليهم (¬2)، وحمدًا لله لمكان ما هداكم لتوحيده، فلم تكونوا مثلهم في الطغيان والكفر.
ووجه دخول حرف التنبيه على الأمر، أنه: موضع يُحتاج فيه إلى استعطاف المأمور، لتأكيد ما يؤمر به عليه، كما أن النداء موضع يُحتاج فيه إلى استعطاف المنادى، لما ينادى له من إخبار أو أمر أو نهي، ونحو ذلك مما يخاطب به، وإذا كان كذلك فقد يجوز أن لا يريد منادى في نحو قوله: {أَلَّا يَسْجُدُوا} ويجوز أن يراد بعد يا: مأمورون، فحذفوا كما حذف من
¬__________
(¬1) "معاني القرآن" للفراء 2/ 290، ولفظه: زين لهم الشيطان ألا يسجدوا. وهو قول الأخفش 2/ 649. وذكره أبو علي، ولم ينسبه، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 383. قال ابن كثير 6/ 188: ولما كان الهدهد داعياً إلى الخير، وعبادة الله وحده والسجود له نُهي عن قتله. ثم ساق حديث ابْنِ عَبَّاس قَالَ إِنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-: (نَهَى عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوابِّ النَّمْلَةُ وَالنَّحْلَةُ وَالْهُدْهُدُ وَالصُّرَدُ). أخرجه أبو داود 5/ 418، كتاب الأدب، رقم: 5267، وابن ماجه 2/ 1074، كتاب الصيد، رقم: 3223، وصححه الألباني، "صحيح أبي داود" 3/ 988، رقم (4387).
(¬2) المعنى -والله أعلم-: لمخالفتكم لهم في عبادتهم، فاحمدوا الله.

الصفحة 209