كتاب التفسير البسيط (اسم الجزء: 17)

هذا الذي ذكرنا قول المفسرين.
وقال أبو علي الفارسي في هذه الآية: ذُكر لموسى الخوفُ في مواضع من التنزيل؛ كقوله: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} [القصص: 21] و {لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص: 25] وقال: {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ} [الشعراء: 12] وقال: {لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا} [طه: 46] {قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا} [طه: 45] {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى} [طه: 67] وقال {لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى} [طه: 77]. فلما أضاف -عليه السلام- الخوفَ في هذه المواضع إلى نفسه، أو نُزِّلَ منزلة من أضافه إلى نفسه، قيل له: {وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ} فأُمر بالعزم على ما أُريد له مما أُمر به، وحُضَّ على الجدِّ فيه؛ لئلا يمنعه من ذلك الخوفُ والرهبةُ التي قد تغشاه في بعض الأحوال (¬1)، وأن لا يستشعر ذلك فيكون مانعًا له مما أمر بالمضي فيه. وليس يراد بضم الجناح هاهنا: الضم المُزيل للفُرْجة والخصاصة (¬2) بين الشيئين، كقول الشاعر:
اُشْدُدْ حيازيمَكَ للموت ... فإن الموتَ لاقيكَ (¬3)
¬__________
(¬1) في نسخة: (أ)، (ب): والرهب والذي قد يغشاه في بعض الأحوال.
(¬2) الخصاصة: الخَلَل، خصاص المنخل، والباب، والبرقع: خللَّه، واحدته: خصاصة. "تهذيب اللغة" 6/ 551 (خص).
(¬3) "الحجة" 5/ 416، ولم ينسب البيت. وأنشده المبرد مع بيت آخر، وهو:
ولا تجزع من الموت ... إذا حل بواديكا
ونسبهما لعلي -رضي الله عنه-، قالهما بعد أن أُتي بابن ملجم وقيل له: إنا سمعنا من هذا كلامًا ولا نأمن قتله لك، فقال: ما أصنع به، ثم قال هذين البيتين. "الكامل" 3/ 1121. وأنشد البيت الأول في "اللسان" 12/ 132 (حزم)، وقال: حيازيمك: جمع: الحيزوم: وهو الصدر، وقيل: وسطه. وهو في ديوان علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، 140، مع عدد من الأبيات.

الصفحة 388