كتاب التفسير البسيط (اسم الجزء: 18)

وهذا ما روى مسروق عن عائشة أن امرأة قالت لها: يا أمه. فقالت: لست لك بأم، وإنما أنا أم رجالكم (¬1). فبان بهذا أن معنى الأمومة تحريم نكاحهن فقط. وعلى هذا لا يجوز أن يقال لبناتهن أخوات المؤمنين، ولا لأخوانهن وأخواتهن أخوال المؤمنين. قال أصحابنا: أزواجه اللاتي توفي عنهن رسول الله في حياته، فمنهم من قال: كانت محرمة بهذه الآية (¬2)، ومنهم من قال: لم تكن محرمة؛ لقوله تعالى في آية التخيير: {إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} [الأحزاب: 28] الآية، فدلت هذه الآية على أنهن لو اخترن الطلاق وطلقهن حل؛ لأنهن إنما ينلن زينة الحياة الدنيا بأن يتزوجن الأغنياء بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ومن أصحابنا من فضَّل وقال: كل مطلقة كانت ممسوسة لم يحل نكاحها، وإن كانت غير ممسوسة حل نكاحها، يدل عليه ما روي أن الأشعث بن قيس تزوج بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المستعيذة (¬3)، وهي التي قالت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أعوذ بالله منك، لما دخل عليها، فقال: "الحقي بأهلك".
¬__________
(¬1) انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 375، "تفسير القرطبي" 14/ 123. وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 675 ونسبه لابن سعد وابن المنذر والبيهقي في "سننه".
(¬2) في (أ) زيادة: (على أنهم لو اخترن)، وهو خطأ.
(¬3) لم أستطع الوقوف على اسم المستعيذة بعد طول بحث، وذلك لكثرة ما ورد من روايات وأقوال، حصل في أكثر الروايات التي وردت فيها هذه القصة اضطراب، فقيل: هي الكلبية، وقيل: الجونية، ثم الاختلاف في اسمها واسم أبيها جاء على أكثر من سبعة أقوال. أيضًا قيل: إنها ماتت كمدًا بعد فراق الرسول -صلى الله عليه وسلم- لها، وقيل: بل عاشت وتزوجت، ثم هناك خلاف في من تزوجها وهل تزوجها أو هم ثم لم يفعل، أقوال كثيرة ذكرها ابن حجر في "فتح الباري" 9/ 445 إلى 452، وكذا ذكرها القسطلاني في "إرشاد الساري شرح صحيح البخاري" 12/ 10 - 14.

الصفحة 177