كتاب التفسير البسيط (اسم الجزء: 18)

أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "كل مولود يولد على الفطرة" الحديث (¬1)، مذهبًا حسنًا؛ وهو أنه قال: الفطرة: الخلقة التي خلقهم عليها، إما الجنة أو النار، حين أخرج من صلب آدم كل ذرية هو خالقها إلى يوم القيامة، فقال: هؤلاء في الجنة وهؤلاء للنار، فيقول: كل مولود يولد على الفطرة، وأبواه يهودانه أو ينصرانه، يقول: بالأبوين يتبين لكم ما تحتاجون إليه في أحكامكم من المواريث وغيرها. يقول: إذا كان الأبوان مؤمنين فاحكموا لولدهما بحكم الإيمان, وإن كانا كافرين فاحكموا لولدهما بحكم الكفر، وأما خلقته التي خُلق عليها فلا علم لكم بذلك، وهو قوله تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} أي: من الشقاوة والسعادة. والدليل على هذا قوله: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} أي: لا تبديل لما خلقهم له من جنة أو نار (¬2).
وقال الأزهري: والقول قول أبي إسحاق (¬3) في تفسير الآية، ومعنى الحديث (¬4). وعلى هذا القول انتصب: {فِطْرَتَ اللَّهِ} على المصدر. وهو
¬__________
(¬1) متفق عليه من حديث أبي هريرة، البخاري، كتاب: الجنائز، رقم (1359)، "فتح الباري" 3/ 219، ومسلم 4/ 2047، كتاب: القدر، رقم (2658).
(¬2) ذكر قول إسحاق: الأزهري، "تهذيب اللغة" 13/ 329 (فطر).
(¬3) هكذا في النسختين: أبي إسحاق؛ والصواب: إسحاق، كما في "تهذيب اللغة" 13/ 329.
(¬4) الصواب القول الأول الذي عليه المفسرون من الصحابة والتابعين؛ وهو أن الفطرة المراد بها: الإسلام، وقوله: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} أي: لدين الله؛ قال ابن عبد البر: "وقال آخرون: الفطرة هاهنا: الإسلام؛ قالوا: وهو المعروف عند عامة السلف أهل التأويل، وقد أجمعوا في تأويل قوله -عز وجل-: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} على أن قالوا: {فِطْرَتَ اللَّهِ} دين الله الإسلام، واحتجوا بقول أبي هريرة في هذا الحديث: اقرأوا إن شئتم: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} وذكروا =

الصفحة 56