يعميه على السامع وذلك كالتعريض في الكلام، ويقال لمثل ذلك القول: ملاحن القول، وهذا كقولهم: والله ما رأيت زيداً برائب، أصبت ريبة لا روبة البصر، ويقال: لاحنت فلاناً، أي راطنته، وذلك أن تضع بينك وبينه كلاماً يفهمه عنك وتفهمه عنه، ولا يفهم غيركما, لأنكما قد عدلتما عن المعتاد من الكلام ومنه قول الطرماح:
وأَدَّتْ إليَّ القَولَ عَنْهنَّ زَوْلةٌ ... تُلاحِنُ أوْ تَرْنُو لقَوْلِ المُلاحِنِ (¬1)
أي: تتكلم بمعنى كلام لا يفطن له غيري، ومن هذا قوله تعالى: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} أي في فحواه ومعناه، يعني: المنافقين، وذلك أنهم كانوا يخاطبون النبي -صلى الله عليه وسلم- بكلام تواضعوه بينهم والنبي -صلى الله عليه وسلم- يسمع ذلك ويأخذ بالظاهر المعتاد، فنبهه الله تعالى على ذلك، فكان بعد نزول هذه الآية يعرف المنافقين إذا سمع [كلام (¬2)]، فلحن القول ميلهم عن الظاهر.
وحكى سلمة (¬3) عن الفراء: يقال للرجل يعرض ولا يصرح: قد جعل كذا وكذا لحنا لحاجته، ويقال من هذا: لَحَنَ يلحن، فأما لَحِنَ يلحن فالمراد به (¬4) فَطِن وفهم.
¬__________
(¬1) انظر: "تهذيب اللغة" (لحن) 5/ 63، "اللسان" (لحن) 13/ 379.
(¬2) كذا في الأصل ولعل الصواب (كلامهم).
(¬3) هو: سلمة بن عاصم أبو محمد البغدادي النحوي صاحب الفراء، روى القراءة عن أبي الحارث الليث بن خالد وروي القراءة عنه أحمد بن يحيى ثعلب، قال ابن الأنباري: كتاب سلمة في "معاني القرآن للفراء" أجود الكتب لأن سلمة كان عالمًا وكان يراجع الفراء فيما عليه ويرجع عنه، توفي بعد 270 هـ.
انظر: "طبقات النحويين واللغويين" 137، و"إنباه الرواة" 2/ 56، و"غاية النهاية" 1/ 311.
(¬4) انظر: "كتاب العين" (لحن) 3/ 230، و"معاني القرآن للفراء" 3/ 63.