جواب للاستفهام الذي فيه التمني، وهو قوله: {لَوْلَا أَخَّرْتَنِي} أي: هلا أخرتني، والجزم على موضع الفاء لأن الفاء دخلت على شيء لو لم يكن فيه لكان مجزومًا ولم يتغير المعنى فكأنه لولا أخرقني إلى أجل قريب أصدق وأكن. وأنشد سيبويه أبياتًا كثيرة في العمل على الموضع منها قوله:
فلسنا بالجبال ولا الحديدا (¬1).
ومنه قول لبيد:
فإن لم نجد من دون عدنان والدًا ... ودون معدا فلترعك العوازل (¬2)
فنصب دون معد على الموضع، لأن من زائدة، وزاد أبو علي شرحًا وبيانًا فقال: {وَأَكُنْ} عطفًا على موضع قوله: {فَأَصَّدَّقَ} لأنه في موضع فعل مجزوم، ألا ترى أنك إذا قلت: أخرني أصدق، كان جزمًا بأنه جواب الجزاء، وقد أغنى السؤال عن ذكر الشرط، والتقدير: أخرني فإن تؤخرني أصدق، فلما كان الفعل المنتصب بعد الفاء في موضع فعل مجزوم بأنه جزاء الشرط حمل قوله: {وَأَكُنْ} هو عليه، وأنشد الأئمة في وجه هذه القراءة قول الشاعر:
فَأَبْلُونيِ بَلَّيُكُمْ لَعَلِّي ... أصالحِكُمْ وأستدرجْ نَوَتَّا (¬3)
¬__________
(¬1) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 19.
والبيت لعقيبة بن هبيرة الأسدي. انظر: "شرح الشواهد" 1/ 34، و"الخزانة" 1/ 343، و"شرح المفصل" 2/ 109، وينسب أيضًا لعبد الله ابن الزبير الأسدي.
(¬2) "ديوان لبيد" ص 255، و"الكتاب" 1/ 34، و"الخزانة" 2/ 252، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 130.
(¬3) البيت لأبي دؤاد، كما في "ديوانه" ص 350، و"الخصائص" 1/ 176، و"شواهد شرح أبيات المغني" 6/ 292، و"اللسان" (علل)، أمالي ابن الشجري 1/ 280، و"مغني اللبيب" ص 423، و"النقائض" ص 408، والنوى الوجه الذي يقصد، =