واليمين على هذا القول بمعنى الحق، كقوله تعالى: {قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ} [الصافات: 28]، أي: من قبل الحق، وكذلك قوله: {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ} [الأعراف: 17]، وقد مر مستقصى (¬1).
46 - قوله تعالى: {ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46)} الوتين: نياط القلب، وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب، فإذا انقطع بطلت القوى، ومات صاحبه. وهذا قول جميع أهل اللغة (¬2)، وأنشدوا (للشماخ) (¬3):
¬__________
(¬1) ومما جاء في تفسير الآية: 82 من سورة الصافات: أن معنى "تأتوننا عن اليمين": أي من قبل الحق. وقالوا: من قبل الدين، وطاعة الله، بمعنى: تزينون الدين، وهو الكفر الذي كانوا عليه. وقيل: أي كنتم تمنعوننا بإضلالكم عن الدين الذي هو الحق. وقال ابن قتيبة: يقول المشركون لقرنائهم من الشياطين: إنكم كنتم تأتوننا عن أيماننا؛ لأن إبليس قال: {ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ} [الأعراف: 17]، فشياطينه تأتيهم من كل جهة من هذه الجهات، بمعنى من [الكيد] والإضلال. قالوا: أجود ما قيل في هذا إنه من قول العرب: فلان عندي باليمين، أي: بالمنزلة الحسنة، وفلان عندي بالشمال، أي: بالمنزلة الخسيسة الدنية، فقال هؤلاء الكفار لأئمتهم الذين أضلوهم: إنكم كنتم تخدعوننا، وترونا أننا عندكم بمنزلة اليمين، أي بالمنزلة الحسنة، فوثقنا بكم من ذلك الجانب. وقال بعضهم -وهو قول قوي-: إن أئمة المشركين كانوا قد أخافوا لهؤلاء المستضعفين أن ما يدعون إليه هو الحق، فوثقوا بأيمانهم، وتمسكوا بعهودهم، فمعنى: {كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ} أي من ناحية المواثيق والأيمان التي قدمتموها لنا.
(¬2) انظر هذا القول بمعناه في مادة: (وتن) في "تهذيب اللغة" 14/ 324، و"معجم مقاييس اللغة" 6/ 84، و"الصحاح" 6/ 2211، و"لسان العرب" 13/ 441، و"تاج العروس" 9/ 358. وممن قال بذلك أيضًا: أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 268، الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 218.
(¬3) لم أجد فيما ذكرته كتب اللغة من استشهد ببيت الشماخ غير أبي عبيدة في مجازه، وقد ورد عند المبرد في كتابه "الكامل" 1/ 167، و2/ 825 "ديوانه" تحقيق: =