كتاب درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر (اسم الجزء: 1)

وفي الآية دلالة على امتياز الخبر المتواتر عن غيره.

102 - {وَاِتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ:} نزلت في ذمّ اليهود، وبيان أصل السحر (¬1)، وتزكية سليمان عليه السّلام (¬2). ونحن نقدّم قصصا يحتاج إلى علمها، وشواهد لا بدّ من ذكرها، وأحكاما يجب (¬3) إحصاؤها، ثمّ نأخذ في التفسير إن شاء الله تعالى.
اعلم أنّ هاروت وماروت ملكان من الملائكة ببابل الكوفة، من أتاهما من الوجه المقدّر سمع كلامهما ولم يرهما، هكذا روي عن عائشة (¬4)، وعن عليّ في حديث المسوخ (¬5)، وعن ابن عمر (¬6). وسئل الضحّاك بن مزاحم فقال: كانا علجين (¬7). والحسن البصريّ أخذ بقول عائشة مرّة (¬8) وبقول الضحّاك أخرى (¬9)، وكان يقرأ: (الملكين) بكسر اللام (¬10)، وهو شاذ، وإن صحّ فيجوز أن يكون: (ملكين ملكين)، كما في حديث المسوخ (¬11). وقيل: إنّهما شيطانان (¬12)، وذلك لا يدلّ على نفي كونهما ملكين من قبل كإبليس لعنه الله. وأحسن ما قيل فيهما: إنّهما ملكان لا يعصيان الله في ما أمرهما بتبيان السحر، ويحذّران منه بأمر الله تعالى، وهذا غير مستنكف كقوله (¬13) تعالى: {فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها} [الشمس:8]، وقال لآدم عليه السّلام: {وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ} [البقرة:35]، ولو شاء لصرفهما عنها وحال بينهما وبينها ولم يمكّنهما من التناول، إلا أنّه فعل ذلك للابتلاء، ولأنّ الثواب إنّما يجب بالامتناع بعد القدرة (¬14).
وسحر البابليين شيء فاش، وقد عرف الضحاك ذو الحيتين (¬15) بذلك في سابق الدهر.
¬_________
(¬1) (وبيان أصل السحر) ساقطة من ب.
(¬2) ينظر: تفسير الطبري 1/ 623 و 629 - 632، والوجيز 1/ 121، وتفسير القرطبي 2/ 41 - 42.
(¬3) في ب: وأحكام ما يجب، بدل (وأحكاما يجب).
(¬4) ينظر: تفسير الطبري 1/ 645، وتفسير القرآن العظيم 1/ 146.
(¬5) في ع: المنسوخ، وف ب: الممسوخ، وبعدها في ك: وعن أبي عمرو سئل، بدل (وعن ابن عمر وسئل).
(¬6) ينظر: تفسير القرطبي 2/ 51.
(¬7) ينظر: تفسير القرآن العظيم 1/ 142، والدر المنثور 1/ 96، وفتح القدير 1/ 122.
(¬8) ينظر: تفسير القرآن العظيم 1/ 147.
(¬9) ينظر: تأويل مختلف الحديث 178 و 187، والشفا بتعريف حقوق المصطفى 2/ 177، وشرح نهج البلاغة 6/ 436.
(¬10) ينظر: القطع والائتناف 156، والمحتسب 1/ 100، والتبيان في تفسير القرآن 1/ 373.
(¬11) في ب: المنسوخ.
(¬12) ينظر: التبيان في تفسير القرآن 1/ 374، والبحر المحيط 1/ 497، والعجاب في بيان الأسباب 1/ 315.
(¬13) في ب: لقوله، وفي ع: مستكف لقوله، بدل (مستنكف كقوله).
(¬14) ينظر: تفسير البغوي 1/ 100.
(¬15) واسمه بنو راسب، ينظر: العين 7/ 250 (رسب)، والأخبار الطوال 4، والصراط المستقيم 2/ 44. وقيل: هو النمرود، ينظر: البداية والنهاية 1/ 200.

الصفحة 208