كتاب درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر (اسم الجزء: 1)
كلّ أحد في جميع عمره مرّة.
وإنّما قال: {وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} ليعلموا (¬1) أنّه قبلتهم بالمدينة وبغيرها من البلاد، لا قبلة لهم غيره (¬2).
وإنّما لم يقل (¬3): فولّوا وجوهكم إليه، لرفع المشقّة إذ لو قال كذلك لوجب على الرجل أن يستقبله استقبالا لو سار على وجهه لصادف عين القبلة، فهذا أمر عسير (¬4).
{وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ:} علماء اليهود، تواطؤوا ولبسوا الأمر على غيرهم، وهم يعلمون أنّ التحويل إلى الكعبة حقّ من ربّهم لما قرؤوها في كتابهم (¬5).
وقيل: الهاء (¬6) راجعة إلى المسجد الحرام؛ لأنّهم يعلمون فضيلته ويعرفون (¬7) بها.
واللام في قوله: {لَيَعْلَمُونَ} (¬8) للتأكيد والقسم.
145 - {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ:} لمّا قالت اليهود والنصارى: {ما وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ} فأنزل الله جوابا محتملا في قوله: {قُلْ لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} [البقرة:142] أردفه قوله: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ} (¬9)، فآيس النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن اتّباعهم، وأمّنه من نسخ طارئ يردّه إلى قبلتهم، وقطع المجادلة بينه وبينهم (¬10).
ثمّ قال: {وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ؛} لأنّهم خربوا البيت المقدس، وخفي مكان الصخرة، فتفرّقوا لخفائه (¬11). وقد أعرض بعضهم عنها وتوجّه إلى المشرق، وتشتّتت أهواؤهم، وتساووا في الضّلالة والغواية، فأخبر الله عن حالهم، وحذّر نبيّه صلّى الله عليه وسلّم عن اتّباعهم (¬12). وإنّما حذّره مع كونه معصوما ليبقى مكلّفا مثابا، فلا يكون استبقاء منه إلجاء واضطرارا، كما قال في
¬_________
(¬1) في ع وب: لتعلموا، وهو تصحيف.
(¬2) ينظر: تفسير الطبري 2/ 33، ومجمع البيان 1/ 423، وتفسير القرطبي 2/ 168.
(¬3) ساقطة من ع.
(¬4) ينظر: أحكام القرآن للجصاص 1/ 112، والتفسير الكبير 4/ 114 - 116، وتفسير القرطبي 2/ 160.
(¬5) ينظر: الكشاف 1/ 203، ومجمع البيان 1/ 423، وتفسير القرطبي 2/ 161.
(¬6) في قوله: (أنّه) في الآية نفسها: لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ.
(¬7) في ك: ويعترفون. وينظر: الوجيز 1/ 137، والبحر المحيط 1/ 604.
(¬8) في ك وع: (ليكتمون).
(¬9) مكانها في ع: اتبعت.
(¬10) ينظر: الكشاف 1/ 203، وتفسير النسفي 1/ 77.
(¬11) في ب: بخفائه.
(¬12) ينظر: تفسير الطبري 2/ 35، والبيضاوي 1/ 423.