كتاب درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر (اسم الجزء: 2)

وعن ابن عباس قال: ألقى الله في قلب أمّ شريك بنت جابر الإسلام، فأسلمت وهي بمكّة، وهي إحدى نساء قريش، ثمّ إحدى بني عامر بن لؤيّ، وكانت تحت أبي الغلواء (¬1) الدّوسيّ، فأسلمت وجعلت تدخل على نساء قريش سرّا تدعوهنّ، وترغبهنّ في الإسلام حتى ظهر أمرها لأهل مكّة، فأخذوها فقالوا: لولا قومك لفعلنا بك، ولفعلنا، لكن سنؤدّك إليهم، قالت (¬2):
فحملوني على بعير ليس تحتي شيء من (¬3) وطاء ولا غيره، ثمّ تركوني ثلاثا لا يطعمونني ولا يسقونني، قالت: فما أتت عليّ ثلاث صرما (¬4) في الأرض شيء أسمعه، قالت: فنزلوا، وكانوا إذا نزلوا منزلا أوثقوني في الشّمس، ثمّ استظلوا، فهم فيها حتى يرتحلوا، قالت: فبيناهم قد نزلوا منزلا، وأوثقوني في الشّمس إذ أتي ببرد على صدري فتناولته، فإذا هو دلو من ماء، فشربت منه قليلا، قال: فصنع بي ذلك مرارا، ثمّ تركت فشربت منه حتى رويت، ثمّ أفضت سائره على جسدي وثيابي، فإذا استيقظوا إذا هم بأثر الماء، ورأوني حسنة الهيئة، فقالوا لي:
أتحلّلت فأخذت سقانا فشربت منه حتى رويت؟ قلت: ما فعلت، ولكنّه من الأمر كذا وكذا، قالوا: إن كنت صادقة فدينك خير من ديننا، فلمّا نظروا إلى أسقيتهم وجدوها كما تركوها، فأسلموا عند ذلك، قال: فأقبلت إلى النّبيّ عليه السّلام ووهبت نفسها للنّبيّ عليه السّلام بغير مهر، فقبلها، ودخل بها فرآها قد علتها كبرة فطلّقها. (¬5)
وفي وقوله: {إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها} دليل على أنّ لفظة الهبة من ألفاظ النّكاح. (¬6)

51 - والظاهر من قوله: {تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ:} إرجاء الواهبات أنفسهنّ ليبقين موقوفات غير مقبولات ولا مردودات، وذكر الخردادنهى (¬7) في تاريخه:
أنّ النّبيّ عليه السّلام أرجى سودة وصفيّة وجويريّة وأمّ حبيبة وميمونة، وآوى عائشة وحفصة وزينب بنت جحش وأمّ سلمة. (¬8)
فالإرجاء على هذا القول الإخراج من القسمة والنّوبة من غير طلاق، فإن كان كذلك لم
¬_________
(¬1) كتب التخريج: أبي العسكر.
(¬2) الأصول المخطوطة: قال.
(¬3) ساقطة من ع.
(¬4) بياض في ع.
(¬5) ينظر: حلية الأولياء 2/ 67، وصفة الصفوة 2/ 54، والمنتظم 5/ 237، من غير قوله: فطلقها.
(¬6) وهذا رأي السادة الحنفية رحمهم الله تعالى، ورواية عن الإمام مالك رحمه الله تعالى، أما الإمام الشافعي رحمه الله فلم يجز ذلك، واعتبر أن النكاح غير منعقد بهذا اللفظ. ينظر: شرح فتح القدير 3/ 193، وشرح ابن عابدين 3/ 19، ومواهب الجليل 3/ 421، ومنح الجليل 3/ 268، ومغني المحتاج 3/ 140.
(¬7) ع: الحدادي.
(¬8) ينظر: تفسير الصنعاني 3/ 118، وتفسير الطبري 10/ 313، والدر المنثور 6/ 560، عن أبي رزين.

الصفحة 470