كتاب الدرر في اختصار المغازي والسير

فَظَنُّوا أَنَّ بِهِ ذَاتَ الْجَنْبِ فَلَدُّوهُ1 وَكَانَ الْعَبَّاسُ الَّذِي أَشَارَ بِذَلِكَ، فَلَمَّا أَفَاقَ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَأَمَرَ بِالْقَصَاصِ فِي ذَلِكَ مِنْهُمْ -وَاسْتَثْنَى الْعَبَّاسَ بِرَأْيِهِ- فَلُدَّ كُلُّ مَنْ حَضَرَ فِي الْبَيْتِ إِلا الْعَبَّاسَ2.
وَأَوْصَاهُمْ فِي مَرَضِهِ بِثَلاثٍ: أَنْ يُجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوٍ مِمَّا كَانَ يُجِيزُهُمْ بِهِ3 وَأَنْ لَا يَتْرُكُوا فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَيْنِ، [قَالَ] : "أَخْرِجُوا مِنْهَا الْمُشْرِكِينَ. وَاللَّهَ اللَّهَ [فِي] الصَّلاةِ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَأَحْسِنُوا إِلَيْهِمْ". وَقَالَ: "لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ".
وَقَالَ لَهُمْ: "هَلُمُّوا أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا". فَاخْتَلَفُوا وَتَنَازَعُوا وَاخْتَصَمُوا، فَقَالَ: "قُومُوا عَنِّي، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي عِنْدِي تَنَازُعٌ". وَكَانَ عُمَرُ الْقَائِلَ حِينَئِذٍ: قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ وَجَعُهُ، وَرُبَّمَا صَحَّ4، وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ. فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَين رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ ذَلِكَ الْكِتَابَ، لاخْتِلافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ5.
وَسَارَّ فَاطِمَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- فِي مَرضه ذَلِك، فَقَالَ لَهَا: "بِأَن جِبْرِيلَ كَانَ يَعْرِضُ عَلَيَّ الْقُرْآنَ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَرَضَهُ عَلَيَّ الْعَامَ مَرَّتَيْنِ، وَمَا أَظُنُّ أَنِّي مَيِّتٌ مِنْ مَرَضِي هَذَا" فَبَكَتْ، فَقَالَ لَهَا: "مَا يَسُرُّكِ أَنَّكِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَا عَدَا مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ" فَضَحِكَتْ.
وَكَانَ يَقُولُ فِي صِحَّتِهِ: "مَا يَمُوتُ نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ وَيرى مَقْعَده" 6. روته عَائِشَة.
__________
1 لدوه: من اللد وَهُوَ وضع الدَّوَاء فِي شقي الْفَم. وَفِي ابْن سعد ج2 ق2 ص31 أَنهم لدوه بِالْعودِ الْهِنْدِيّ وبشيء من ورس وقطرات زَيْت.
2 ذكر السُّهيْلي فِي الرَّوْض الْأنف 2/ 369 أَن ظَاهر كَلَام ابْن إِسْحَاق أَن الْعَبَّاس كَانَ حَاضر الرَّسُول ثمَّ يَقُول: وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن رَسُول الله قَالَ: "لَا يبْقين أحد بِالْبَيْتِ إِلَّا لد، إِلَّا عمي الْعَبَّاس فَإِنَّهُ لم يشهدكم". يَقُول السُّهيْلي: وَهَذِه أصح من رِوَايَة ابْن إِسْحَاق.
3 أَن يجيزوا: أَن يُعْطوا من الْجَائِزَة، وَهِي الْعَطِيَّة.
4 صَحَّ: زَالَ عَنهُ الْمَرَض.
5 قَالَ ابْن حزم فِي جَوَامِع السِّيرَة ص264 لاشك فِي أَنه لَو كَانَ هَذَا الْكتاب من وَاجِبَات الدَّين ولوازم الشَّرِيعَة لم يثنه عَنهُ كَلَام عمر وَلَا غَيره. وَاسْتظْهر ابْن حزم أَن يكون الْكتاب الَّذِي أَرَادَ الرَّسُول كِتَابَته هُوَ استخلافه لأبي بكر لقَوْله لعَائِشَة: "لقد هَمَمْت أَن أبْعث إِلَى أَبِيك وأخيك فأكتب كتابا وأعهد عهدا لِئَلَّا يتَمَنَّى متمن أَو يَقُول قَائِل، ويأبى الله والمؤمنون إِلَّا أَبَا بكر".
6 أَي يُخَيّر بَين الْحَيَاة وَالْمَوْت وَيرى مَقْعَده من الْجنَّة.

الصفحة 270