كتاب الدرر في اختصار المغازي والسير
مَعْرُوف بِذِي النُّور*. وَوصل إِلَى قومه بِتِلْكَ الْآيَة، فَأسلم أَكْثَرهم، وَأقَام الطُّفَيْل فِي بِلَاده إِلَى عَام الخَنْدَق ثمَّ قدم فِي سبعين أَو ثَمَانِينَ رجلا من قومه مُسلمين. وَقد ذكرنَا خَبره بِتَمَامِهِ فِي بَابه من كتاب الصَّحَابَة.
حَدِيث الْإِسْرَاء [والمعراج] مُخْتَصرا 1
ثمَّ أسرِي2 برَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلًا من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى الْأَقْصَى. ثمَّ مِنْهُ إِلَى السَّمَاء، فَرَأى الْأَنْبِيَاء فِي السَّمَوَات على مَا فِي الحَدِيث بذلك. وَفرض اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ الصَّلَوَات الْخمس3.
ثمَّ انْصَرف فِي ليلته تِلْكَ إِلَى مَكَّة، فَأخْبر بذلك، فَصدقهُ أَبُو بكر وكل من آمن بِهِ، وَكذبه الْكفَّار، واستوصفوه مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس، فَمَثَّلَهُ اللَّه لَهُ، فَجعل ينظر إِلَيْهِ ويصفه.
__________
* قلت: هَذَا مِمَّا زَاد النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الْفَضَائِل على مُوسَى، لِأَن إِحْدَى آيَات مُوسَى الْيَد الْبَيْضَاء. وَكَانَ نورها يغشى الْبَصَر، وَقد أكْرم الله نبيه بِأَن جعل مثل ذَلِك لرجل من أمته، وَإِنَّمَا سَأَلَ الطُّفَيْل أَن ينْقل ذَلِك النُّور إِلَى سَوْطه، لِأَن الْعَرَب كَانُوا جدلين خصمين، لَهُم من الْبَيَان والصنعة فِي التخييل مَا يَقْتَضِي أَن يقلبوا الْحق بَاطِلا وَالْحسن قبيحا مَا وجدوا إِلَى ذَلِك سَبِيلا، وَلِهَذَا قَالَ: إِنِّي أَخَاف أَن يجعلوها مثلَة. فَكَانَ النُّور إِلَى سَوْطه آيَة أُخْرَى، وَالله الْمُوفق.
1 انْظُر فِي الْإِسْرَاء والمعراج ابْن هِشَام 2/ 36 وَابْن سعد ج1 ق1 ص142 وَمَا بعْدهَا وصحيح البُخَارِيّ 5/ 52 وَانْظُر 1/ 74 وَابْن كثير 3/ 108 وأنساب الْأَشْرَاف 1/ 119 والنويري 16/ 283 وَابْن حزم ص 68 وَابْن سيد النَّاس 1/ 140 وَمَا بعْدهَا وصحيح مُسلم "طبعة الْحلَبِي" 1/ 145 والسيرة الحلبية 1/ 478.
2 اخْتلف الْعلمَاء فِي الْإِسْرَاء والمعراج هَل كَانَا فِي الْيَقَظَة أَو فِي الْمَنَام، فَذهب فريق إِلَى أَنَّهُمَا كَانَا بِالروحِ ورؤيا مَنَام، وَذهب فريق إِلَى أَنَّهُمَا كَانَا بالجسد، وَفِي الْيَقَظَة، انْظُر فِي ذَلِك السُّهيْلي 1/ 243. وَاخْتلفُوا أَيْضا هَل كَانَ الْإِسْرَاء والمعراج مَعًا فِي لَيْلَة وَاحِدَة أَو لَا؟ وواضح أَن ابْن عبد الْبر يَأْخُذ بِالرَّأْيِ الْقَائِل أَنَّهُمَا كَانَا فِي لَيْلَة وَاحِدَة. وَالْمَشْهُور أَن الْإِسْرَاء برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ لَيْلَة السبت لسبع عشرَة خلت من شهر رَمَضَان قبل الْهِجْرَة بِثمَانِيَة عشر شهرا، وَقد أَتَت عَلَيْهِ إِحْدَى وَخَمْسُونَ سنة. وَقيل كَانَ لَيْلَة سبع عشرَة من شهر ربيع الأول قبل الْهِجْرَة بِنَحْوِ سنة. وَقيل: بل كَانَ بعد المبعث بِخمْس سِنِين.
3 مر بِنَا أَن الصَّلَاة فرضت فِي أول الْبعْثَة المحمدية وَأَنَّهَا كَانَت رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ كل صَلَاة، وَقيل إِنَّهَا كَانَت رَكْعَتَيْنِ فِي الْغَدَاة وَرَكْعَتَيْنِ فِي الْعشي. والاتفاق على أَن فرض الصَّلَوَات الْخمس بصورتها الْمَعْرُوفَة إِنَّمَا كَانَ فِي لَيْلَة الْإِسْرَاء. انْظُر ابْن هِشَام 1/ 260 وصحيح البُخَارِيّ 1/ 74 والسهيلي 1/ 162 وَابْن سيد النَّاس 1/ 90، 148 والنويري 1/ 178.
الصفحة 65