كتاب شرح ديوان المتنبي للعكبري (اسم الجزء: 2)
- الْغَرِيب المزن جمع مزنة وهى السحابة الْبَيْضَاء وَمِنْه
(أنزلتموهُ مِنَ المُزْن ... )
ومخلفه يُرِيد غير ماطره من إخلاف الْوَعْد الْمَعْنى يُرِيد وَلَوْلَا هَذِه المحبوبة مَا سقيت الثرى يُرِيد الأَرْض وثراها والسحب غير ماطرة من إخلاف الْوَعْد وَهَذَا جَائِز لِأَن الْأَشْهر الَّتِى يكون فِيهَا الْمَطَر مَعْرُوفَة فَإِذا انْقَطع الْمَطَر فى بَعْضهَا فَتَصِير إخلافا من الأنواء يصف حرارة وجده وَأَنه ينشف دمعه من شدَّة لهبه وَحَرقه إِذا جرى على الأَرْض وَهُوَ مَنْقُول من قَول الآخر
(لوْلا الدُّموعُ وفيْضُهنّ لأَحْرَقَتْ ... أرْضَ الوَداع حرارةُ الأكْبادِ)
وَمثله
(وتكادُ نيرَانُ القلوبِ إِذا الْتَظَتْ ... يَوْما تُنَشِّفُ فِى العُيُونِ المَاءَ)
3 - الْغَرِيب المسى والمساء وَاحِد كالصبح والصباح والرسم الْأَثر وَجمعه أرسم والدرس جمع دارسة ودارس الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح وقف عَلَيْهَا ثَلَاثَة أَيَّام بلياليها يسائلها وَلم يرد بعد ثَلَاثَة أَيَّام من فِرَاق أَهلهَا لِأَن الدَّار لَا تدرس بعد ثَلَاثَة أَيَّام وَالْمعْنَى أَنه وقف عَلَيْهَا ثَلَاثَة أَيَّام وَقَالَ أَبُو على ابْن فورجة هَذِه دَعْوَى لَا تصح إِلَّا بِبَيِّنَة وَلَيْسَ فى الْبَيْت مَا يدل على مَا ذكره وَقَوله {الدَّار لَا تَعْفُو بعد ثَلَاثَة أَيَّام} لَيْسَ كَمَا ذكر إِذْ قد علم أَن عَفْو ديار الْعَرَب لأوّل ريح تهب فتسفى عَلَيْهَا التُّرَاب فتدرس فتدرس آثارها وَأَبُو الطّيب إِنَّمَا أَرَادَ مسى ثَالِثَة من فراقها وَأَنه وقف بربعها مَعَ قرب الْعَهْد متشفيا بِالنّظرِ إِلَى أَثَرهَا وَلَيْسَ بِوَاجِب أَن يكون رسمها هَذَا الذى وقف عَلَيْهِ آخر رسم عهدها بِهِ فقد يجوز أَن يكون رسما قَدِيما وتلخيص الْمَعْنى أَنه وقف بجسم دارس أى ناحل قد شَاب شعره من الْهم وَضعف بَصَره من الْبكاء وضعفت قوته من السهر والهم فَهَذَا هُوَ دروس الْجِسْم ودروس الدَّار أثر الرماد وَالثَّرَى ومضارب الْبيُوت من الْأَوْتَاد وَغير ذَلِك وَمثله للعكوك
(خَلَّفَتنى نِضْو أحْزانٍ أُعالِجُها ... بالجزْعِ أنْدُبُ فى أنْضَابِ أطْلالِ)
وَمثله للديك
(أنضاءُ طَلَّتْ دَمْعَهُمْ أطْلالُهُمْ ... فتَخالُهُمْ بينَ الرَّسُومِ رُسُوما)
الصفحة 186