كتاب شرح ديوان المتنبي للعكبري (اسم الجزء: 2)
- الْغَرِيب المزاد جمع مزادة وهى وعَاء المَاء الذى يتزود للسَّفر الْمَعْنى يَقُول إِن كنت مرتحلة فإنى بِكَثْرَة بكائى أملأ بمدامعى مَا مَعكُمْ من الأوعية وأروى إبلكم فتكفيكم مدامعى عَن طلب المَاء فَجعل دُمُوعه كَافِيَة لَهُم عَن المَاء فمراده بالمدامع دموع عَيْنَيْهِ
5 - الْإِعْرَاب كَانَ الأجود أَن يَقُول أَن يكون بَخِيلًا لتذكيرك الْمثل وَلكنه حمله على الْمَعْنى دون اللَّفْظ لِأَنَّهَا مُؤَنّثَة فمثلها مؤنث كَمَا يُقَال ذهبت بعض أَصَابِعه فأنث الْبَعْض لِأَنَّهُ أَرَادَ أصبعا الْغَرِيب حاشى من المحاشاة وهى المباعدة والمجانية والعبوس الكريه الْمَعْنى يَقُول لَا ينبغى لمثلك على حسنها وكرم أَصْلهَا أَن تكون بخيلة فتبخل بالوصال على من يُحِبهَا وحاشا لوجهك على تَكَامل حسنه أَن يكون عبوسا لمن ينظر إِلَى محاسنه
6 - الْمَعْنى أَنه أَرَادَ حاشا لَك أَن تعتقدى الْبُخْل وَأَن تمنعينى وصالك بِالنِّيَّةِ وَإِن لم يكن بِالْفِعْلِ وَلم يرد المتنبى مَا قيل فى هَذَا الْبَيْت أَنه أَرَادَ أَنَّهَا تكون مبذولة الْوِصَال وَإِنَّمَا يحسن الْوِصَال ويطيب إِذا كَانَ ممنعا وَإِذا كَانَ مبذولا مل وانحرفت النَّفس عَنهُ وَمَا أحسن قَول الْقَائِل
(أحْلى الهَوَى مَا لم تَنَلْ فِيه المُنَى ... والحبُّ أعدلُ مَا يكونث إِذا اعْتَدَى)
(وَإِذا اختبرتَ رأيتَ أصْدَقَ عاشِقٍ ... مَنْ لَا يَمُد إِلَى مُوَاصلَةٍ يَدَا)
وَقد قَالَ كثير
(وإنى لأسمو بالوصال إِلَى الَّتِى ... يكونُ سَناءً وَصْلُها وازديارها)
أى إِنَّمَا أَرغب فى ذَات الْقدر المصونة لَا المبذولة وَأنْشد بَعضهم قَول الْأَعْشَى
(كأنّ مِشْيَتَها مِن بيْت جارتها ... مَرُّ السَّحابة لَا رَيثٌ وَلَا عَجَلُ)
فَقَالَ هَذِه خراجة ولاجة هلا قَالَ كَمَا قَالَ الآخر
(فَتَشْتاقها جاراتُها فَيُزرْنَها ... وتَعْتَلُّ عنْ إتيانِهِنَّ فَتْعْذَرُ)
قَالَ ابْن فورجة هَذَا اعْتِرَاض على المتنبى بوصفه حبيبته بِأَنَّهَا مبذولة الْوِصَال وَلم يتَعَرَّض لذَلِك بشىء وَإِنَّمَا قَالَ لَهَا حاشاك من هَذَا الْوَصْف وَلَيْسَ فى اللَّفْظ مَا يدل على أَنَّهَا مبذولة الْوَصْل أَو ممنعة بل فِيهِ أَنه يُرِيد أَن يكون مبذولا وصالها لَهُ وأى محب لَا يحب ذَلِك وَإِن كَانَ يُرَاد مِنْهُ أَلا يتَمَنَّى بذلك حبيبته وَهُوَ محَال قَالَ أَبُو الْفَتْح إِنَّمَا أَرَادَ حاشى لَك أَن تمنعينى وصلك بِالنِّيَّةِ إِن لم يكن بِالْفِعْلِ أَلا ترى إِلَى قَول الْقَائِل
(أُحبُّ اللَّواتى هُنَّ فى رَوْنَقِ الصِّبا ... وفِيهِنَّ عَنْ أزْوَاجِهِنَّ طِماحُ)
(مُسِرَّاتُ وُدٍّ مُظْهِراتٌ لِضِدِهِ ... ترَاهُنَّ كالمَرْضَى وَهُنَّ صِحاحُ)
أى هن يظهرن خلاف مَا يكتمن قَالَ الْخَطِيب أما هَذَا الشَّاعِر فقد أظهر مَا يحب وَبَينه وَأَنه يحب كل لعوب طامحة عَن زَوجهَا وَهَذَا مَذْهَب بعض المحبين وَأما قَول المتنبى فَهُوَ مباين لهَذَا بقوله أَن يكون ممنعا فَهُوَ هجر صراح
الصفحة 194