كتاب الدر المصون في علوم الكتاب المكنون (اسم الجزء: 3)
قولُه تعالى: {فَنَادَتْهُ الملائكة} : قرأ الأخَوان: «فناداه» من غيرِ تاء تأنيث، والباقون: «فنادَتْه» بتاء التأنيث. والتذكيرُ والتأنيث باعتبار الجمع المكسر، فيجوز في الفعل المسند إليه التذكيرُ باعتبار الجمع، والتأنيثُ باعتبار الجماعة، ومثل هذا: {إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملائكة} [الأنفال: 50] يُقرأ بالتاء والياء، وكذا قوله: {تَعْرُجُ الملائكة} [المعارج: 4] . قال الزجاج: «يَلْحقها التأنيثُ للفظ الجماعة، ويجوزُ أَنْ يُعَبِّر عنها بلفظ التذكير لأنه يقال: جَمْعُ الملائكة، وهذا كقوله: {وَقَالَ نِسْوَةٌ} [يوسف: 30] انتهى وإنما حَسَّنَ الحذفَ هنا الفصلُ بين الفعلِ وفاعِله.
وقد تَجَرَّأ بعضُهم على قراءة العامة فقال:» أكرهُ التأنيث لِمَا فيه من مو-افقة دعوى الجاهلية؛ لأن الجاهلية زعمت أن الملائكة إناث. وتجرَّأ/ أبو البقاء على قراءة الأخوين فقال: «وكره قوم قراءة التأنيث لموافقة الجاهلية، فلذلك قرأ مَنْ قرأ:» فناداه «بغير تاءٍ، والقراءةُ به غيرُ جيدة لأنَّ الملائكةَ جمعٌ، وما اعتلُّوا به ليس بشيء، لأنَّ الإِجماع على إثبات التاء في قوله: {وَإِذْ قَالَتِ الملائكة} [آل عمران: 42] . وهذان القولان الصادران من أبي البقاء وغيرِه ليسا بجيدين، لأنهما قراءتان متواترتان، فلا ينبغي أن تُرَدَّ إحداهما البتة.