كتاب الدر المصون في علوم الكتاب المكنون (اسم الجزء: 3)
وقد تقدَّم تقريرُه في البقرة، وتقدَّم سببُ تعدِّية ب «على» ، وإن كان أصلُ تعديتِهِ ب «مِنْ» . وقال أبو البقاء: «وكَرَّر اصطفى: [إمَّا] توكيداً، وإمَّا ليبيِّن مَنِ اصطفاها عليهنَّ» ، وقال الواحدي: «وكَرَّر الاصطفاءَ لأنَّ كِلا الاصطفائين يختلفُ معناهما، فالاصطفاء الأول عمومٌ يدخُل فيه صوالحُ النساءِ، والثاني اصطفاء بما اختصَّتْ به من خصائِصِها.
قوله: {ذلك مِنْ أَنَبَآءِ الغيب نُوحِيهِ} : يجوزُ فيه أوجه، أحدُها: أَنْ يكونَ «ذلك» خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ تقديرُهُ: الأمر ذلك. و «مِنْ أنباءِ الغيب» على هذا يجوزُ أن يكونَ مِنْ تتمةِ هذا الكلامِ حالاً من اسمِ الإِشارةِ، ويجوزُ أنْ يكونَ الوقفُ على «ذلك» ، ويكونُ «مِنْ أنباء الغيبِ» متعلِّقاً بما بعَده وتكونُ الجملةُ من «نوحيه» إذ ذاك: إمَّا مبينةً وشارحةً للجملةِ قبلَها وإمَّا حالاً.
الثاني: أن يكونَ «ذلك» مبتدأً، و «من أنباء الغيب» خبرَه والجملةُ من «نوحيه» مستأنفةً، والضميرُ في «نوحيه» عائدٌ على الغيب، أي: الأمرُ والشأنُ أنَّا نوحي إليك الغيبَ ونُعْلِمُك به ونُظْهِرُكَ على قصصِ مَنْ تقدَّمك مع عدمِ مدارستكِ لأهلِ العلمِ والأخبار، ولذلك أتى بالمضارع في «نُوحيه» ، وهذا أحسنُ مِنْ عَوْدِهِ على «ذلك» ؛ لأنَّ عَوْدَهُ على الغيبِ يَشْمَلُ ما تقدَّم من القصص وما لَم يتقدَّمْ منها، ولو أَعَدْتَه على «ذلك» اختصَّ بما مضى وتقدَّم.
الثالث: أن يكونَ «نوحيه» هو الخبرَ، و «من أنباء الغيب» على وجهيه المتقدِّمين مِنْ كَوْنِهِ حالاً من «ذلك» أو متعلِّقاً بنوحيه، ويجوز في وجهُ ثالثٌ على هذا/ وهو أَنْ يُجْعَلَ حالاً من مفعول «نوحيه» أي: نوحيه حالَ كونِهِ بعضَ أنباءِ الغيبِ.