كتاب الدر المصون في علوم الكتاب المكنون (اسم الجزء: 3)

كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} إلاَّ أنَّ فَعِيلاً بمعنى مُفْعِل قليلٌ قد جاءَتْ منه أُلَيْفاظٌ قالوا: عَقَدْتُ العَسَلَ فهو عَقِيد ومُعْقَد، واحتبسْتُ الفرسَ في سبيلِ الله فهو حَبِيس ومُحْبَس.
وفي قوله: {نَتْلُوهُ} التفاتٌ من غَيْبَة إلى تكلُّم، لأنه قد تقدَّمه اسمٌ ظاهرٌ، وهو قولُه: {والله لاَ يُحِبُّ الظالمين} كذا قاله الشيخ، وفيه نظرٌ، إذ يُحْتمل أن يكونَ {والله لاَ يُحِبُّ الظالمين} جِيء بها اعتراضاً بين أبعاضِ هذه القصةِ.
وقوله: {نَتْلُوهُ} فيه وجهان، أحدُهما: أنه وإنْ كان مضارعاً لفظاً فهو ماضٍ معنى أي: ذلكَ الذي قَدَّمْناه من قصةِ عيسى وما جَرَى له تَلَوْناه عليك كقولِه: {واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين} [البقرة: 102] ، والثاني: على بابِه لأنَّ الكلامَ بعدُ لم يَتِمَّ، ولم يفرغ من قصة عيسى عليه السلام إذ بقي منها بقية.
قوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عيسى} : جملةٌ مستأنفةٌ لا تعلُّقَ لها بما قبلها تعلُّقاً صناعياً بل معنوياً، وزعم بعضُهم أنَّها جوابٌ لقسم، وذلك القسمُ هو قولُه: {والذكر الحكيم} كأنه قيل: أٌقْسم بالذكرِ الحكيم إِنَّ مثلَ عيسى، فيكونُ الكلامُ قد تَمَّ عند قولِه: «من الآيات» ثم استأنف قسماً، فالواوُ حرفُ جر لا حرفُ عطف، وهذا بعيدٌ أو ممتنعٌ، إذ فيه تفكيكٌ لنظمِ القرآن وإذهابٌ لرونقه وفصاحته.
قوله: {خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} في هذه الجملة وجهان، أظهرهما: أنها مفسرةٌ لوجهِ التشبيه بين المَثَلين، فلا محلَّ لها حينئذ من الإِعراب. والثاني: أنها في محل نصب على الحال من آدمَ عليه السلام و «قد» معه مقدرةٌ، والعاملُ فيها معنى التشبيه، والهاءُ في «خَلَقه» عائدةٌ على آدم، ولا تعودُ على عيسى لفسادِ

الصفحة 218