كتاب الدر المصون في علوم الكتاب المكنون (اسم الجزء: 4)
الصريحة بهذه الآيةِ، فإنَّ قوله: {يُحِبُّهم} صفةٌ وهي غير صريحة، لأنها جملة مؤولة بمفرد، وقوله «أذلة - أعزة» صفتان صريحتان لأنهما مفردتان، وأمَّا غيره من النحويين فيقول: متى اجتمعت صفة صريحة وأخرى مؤولة وجبَ تقديمُ الصريحةِ إلا في ضرورة شعر كقولِ امرئ القيس:
174 - 6- وفَرْعٍ يُغَشِّي المَتْنَ أسودَ فاحِمٍ ... أثيثٍ كقِنْوِ النَّخْلة المُتَعَثْكِلِ
فقدم قوله «يُغَشِّي» - وهو جملة - على «أسود» وما بعده وهن مفردات، وعند هذا القائل أنه يُبدأ بالمفرد ثم بالظرف أو عديلِه ثم بالجملة، وعلى ذلك جاء قوله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} [غافر: 28] ، وهذه الآية حجةٌ عليه، وكذا قوله تعالى: {وهذا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} [الأنعام: 92] . قال الشيخ: «وفيها دليلٌ على بطلان مَنْ يعتقد وجوب تقديم الوصفِ بالاسم على الوصف بالفعل إلا في ضرورة» ثم ذَكَرَ الآيةَ الأخرى. قلت: وليس في هاتين الآيتين الكريمتين ما يَرُدُّ قولَ هذا القائل. أما هذه الآية فيحتمل أن يكون قولُه تعالى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} جلمةَ اعتراض لأنَّ فيها تأكيداً وتسديداً للكلام، وجملةُ الاعتراض تقعُ بين الصفةِ وموصوفِها كقوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} [الواقعة: 76] ف «عظيم» صفةٌ ل «قَسَم» وقد فَصَل بينهما بقولُه: {لَّوْ تَعْلَمُونَ} فكذلك فَصَلَ هنا بين قوله «بقوم» وبين صفتهم وهي «أذلة - أعزة» بقولِه {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} فعلى هذا لا يكون لها محلُّ من الإِعراب. وأمَّا {وهذا كِتَابٌ