كتاب الدر المصون في علوم الكتاب المكنون (اسم الجزء: 5)
المغزول ليُغْزل ثانياً، وذلك المنكوث نِكْثٌ كذِبْح ورِعْي والجمع أَنْكاث. فاستُعير لنقض العهد بعد إحكامه وإبرامه، كما في خيوط الأَكْسية إذا نُكِثَتْ بعدما أُبْرِمَتْ، وهذا مِنْ أحسن الاستعارات.
قوله تعالى: {فانتقمنا} : هذه الفاءُ سببيَّة أي تسبِّب عن النكثِ الانتقامُ. ثم إنْ أريد بالانتقام/ نفسُ الإِغراق، فالفاء الثانية مفسِّرةٌ عند مَنْ يُثْبِتُ لها ذلك، وإلا كان التقدير: فأرَدْنا الانتقامَ.
قوله: {فِي اليم} متعلِّقٌ ب «أَغْرَقْناهم» . واليَمُّ: البحر. والمشهور أنه عربيٌّ. قال ذو الرمة:
2283 - داوِيَّةٌ ودُجَى ليلٍ كأنهما ... يَمٌّ تراطَنَ في حافاتِه الرومُ
وقال ابن قتيبة: «إنه البحر بالسُّريانية» . وقيل: بالعبرانيَّة، والمشهور أنه لا يتقيَّد ببحر خاص «. وقال الهروي في عربيَّته:» واليَمُّ: البحر الذي يقال له إساف، وفيه غرق فرعون «، وهذا ليس بجيد لقوله تعالى: {فَأَلْقِيهِ فِي اليم} [القصص: 7] والمراد به نيلُ مِصْرَ، وهو غيرُ الذي غَرِق فيه فرعون.
قوله:» بأنهم «الباءُ للسببية أي: أغْرَقْناهم بسبب تكذيبهم بآياتنا، وكونِهم غافلين عن آياتنا. فالضمير في» عنها «يعودُ على الآيات. وهذا هو الظاهر. وبه قال الزجاج وغيره. وقيل: يجوز أن يكونَ على النقمة المدلولِ عليها بانتقمنا. ويُعْزى هذا لابن عباس، وكأن القائل بذلك تَخيَّل أن الغفلةَ عن الآيات عُذْرٌ لهم من حيث إن الغفلةَ ليست مِنْ كسب الإِنسان.