كتاب الدر المصون في علوم الكتاب المكنون (اسم الجزء: 10)

ينخفضُ ما هو مرتفعٌ ويرتفعُ ما هو منخفضٌ» . قال الشيخ: «ولا يجوزُ أَنْ تنتصِبَ بهما معاً بل بأحدِهما، لأنه لا يجتمعُ مؤثِّران على أثرٍ واحد» . قلت: معنى كلامِه أنَّ كلاً منهما متسلِّطٌ عليه من جهة المعنى، وتكونُ المسألة من التنازع، وحيئنذٍ تكون العبارةُ صحيحةً إذ يَصْدُقُ أنَّ كلاً منهما عاملٌ فيه، وإن كان على التعاقُب.
والرَّجُّ: التحريكُ الشديدُ بمعنى زُلزلت. وبُسَّت الجبالُ: سُيِّرت مِنْ قولهم: بَسَّ الغنمَ، أي: ساقَها أو بمعنى فُتِّتَتْ كقوله: {يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً} [طه: 105] يدلُّ عليَه {فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً} . وقرأ زيد بن علي «رَجَّتْ» و «بَسِّتْ» مبنيين للفاعل على أنِّ رجَّ وبَسَّ يكونان لازمَيْن ومُتَعَدِّيَيْن، أي: اُزِيحت وذهَبَتْ. وقرأ النخعي «مْنْبَتَّاً» بنقطتين مِنْ فوق، أي: متقطعاً من البَتِّ. ومعنى الآية يَنْبو عنه.
قوله: {فَأَصْحَابُ الميمنة مَآ أَصْحَابُ الميمنة} : «أصحاب» الأولى مبتدأٌ، و «ما» استفهامٌ فيه تعظيمٌ مبتدأٌ ثانٍ، و «أصحاب» الثاني خبرُه والجملةُ خبرُ الأولِ، وتكرارُ المبتدأ هنا بلفظِه مُغْنٍ عن الضمير ومثلُه {الحاقة مَا الحآقة} [الحاقة: 1-2] {القارعة مَا القارعة} [القارعة: 1-2] ولا يكون ذلك إلاَّ في مواضعِ التعظيم. وهنا سؤالٌ: وهو أنَّ «ما» نكرةٌ وما بعده معرفةٌ، فكان ينبغي أَنْ يقال «ما» خبر مقدمٌ، «وأصحاب» الثاني

الصفحة 194