كتاب العقود الدرية في مناقب ابن تيمية - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: الكتاب)

قال: فسُقْتُه إلى مقابلة العدوّ، وهم مُتحدّرون (¬١) كالسّيل، تلوحُ أسلحتُهم (¬٢) من تحت الغبار المنعقد عليهم.
ثم قلت له: يا سيدي! هذا موقف الموت، وهذا العدوّ قد أقبل تحت هذه الغَبَرة المنعقدة، فدونك وما تريد.
قال: فرفع طَرْفَه إلى السماء، وأشخصَ بصرَه (¬٣)، وحرّك شفتيه طويلًا، ثم انبعثَ وأقدم على القتال. وأما أنا فخُيِّل إليَّ (¬٤) أنّه دعا عليهم، وأنّ دعاءه استُجيب منه في تلك الساعة.
قال: ثم أحال (¬٥) القتال بيننا والالتحام، وما عدتُ رأيتُه، حتى فتح الله ونصر، وانحاز التتار إلى جبل صغير، عصموا نفوسهم به من سيوف المسلمين تلك الساعة، وكان آخر النهار.
قال: وإذا أنا بالشيخ وأخيه يصيحان بأعلى صوتيهما، تحريضًا على القتال، وتخويفًا للناس من الفرار.
فقلت له: يا سيدي! لك البشارةُ بالنصر، فإنّه قد فتح الله ونصر، وهاهم التتار محصورون بهذا السّفْح، وفي غدٍ ــ إن شاء الله ــ يُؤخَذون عن آخرهم.
---------------
(¬١) (ب، ق): «منحدرون»، (ف، ك): «متحدون».
(¬٢) (ق): «أسلاحتهم».
(¬٣) (ب، ق): «ببصره».
(¬٤) (ف): «لي».
(¬٥) كذا في النسخ، ولعلها: «حال» أي: منع. أما «أحال» فمعناها: تحوّل.

الصفحة 229