كتاب الدر المنثور (تفسير السيوطي) (اسم الجزء: 15)

ذرة خيرا يره} الآية قال : لما نزلت (ويطعمون الطعام على حبه) (سورة الإنسان الآية 8) كان
المسلمون يرون أنهم لا يؤجرون على الشيء القليل إذا أعطوه فيجيء السائل إلى أبوابهم فيستقلون أن يعطوه التمرة والكسرة فيردونه ويقولون : ما هذا بشيء إنهما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبه وكان آخرون يرون أنهم لا يلامون على الذنب اليسير كالكذبة والنظرة والغيبة وأشباه ذلك ويقولون : إنما وعد الله النار على الكبائر فرغبهم في الخير القليل أن يعملوه فإنه يوشك أن يكثر وحذرهم اليسير من الشر فإنه يوشك أن يكثر {فمن يعمل مثقال ذرة} يعني وزن أصغر النمل {خيرا يره} يعني في كتابه ويسره ذلك.
وأخرج ابن جرير ، وَابن المنذر والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله : {فمن يعمل مثقال ذرة} الآية قال : ليس من مؤمن ولا كافر عمل خيرا ولا شرا في الدنيا إلا أره الله إياه فأما لمؤمن فيريه الله حسناته وسيئاته فيغفر له من سيئاته ويثيبه على حسناته وأما الكافر فيريه حسناته وسيئاته فيرد حسناته ويعذبه بسيئاته.
وأخرج عبد الرزاق ، وعَبد بن حُمَيد ، وَابن جَرِير ، وَابن المنذر عن محمد بن كعب في الآية قال : من يعمل مثقال ذرة من خير من كافر يرى ثوابها في الدنيا في نفسه وأهله وماله وولده حتى يخر من الدنيا وليس عنده خير {ومن يعمل مثقال ذرة شرا} من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في نفسه وأهله وماله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس عليه شيء.
وأخرج ابن المبارك في الزهد وأحمد ، وعَبد بن حُمَيد والنسائي والطبراني ، وَابن مردويه عن صعصعة بن معاوية عم الفرزدق أنه أتى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} فقال : حسبي لا أبالي أن لا أسمع من القرآن غيرها.
وأخرج سعيد بن منصور عن المطلب بن عبد الله بن حنطب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في مجلس ومعهم أعرابي جالس {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} فقال الأعرابي : يا رسول الله أمثقال ذرة قال : نعم ، فقال الأعرابي : وأسوأتاه ، ثم قال وهو يقولها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد دخل قلب الأعرابي الإيمان.

الصفحة 588