كتاب العقد الفريد (اسم الجزء: 6)

وعلمت حتى لا أسائل واحدا ... عن حرف واحدة لكي أزدادها
قال: وكان من خبرهم ماذا؟ قلت: ذكرت الرواة أنّ جريرا لما أنشد عدي هذا البيت، قال: بلى والله وعشر مئين «1» . قال عدي: وقر «2» في سمعك أثقل من الرصاص، هذا والله يا أمير المؤمنين المديح المنتقى. قال الرشيد: والله إنه لنقيّ الرصاص، هذا والله يا أمير المؤمنين المديح المنتقي. قال الرشيد: والله إنه لنقيّ الكلام في مدحه وتشبيبه. قال الفضل: يا أمير المؤمنين، لا يحسن عدي أن يقول:
شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا
قال الرشيد: بلى قد أحسن. ثم التفت إليّ فقال: ما حفظت له في هذا الشعر شيئا حين قال:
أطفأت نيران الحروب وأوقدت ... نار قدحت براحتيك زنادها «3»
قلت: ذكرت الرواة أنه يا أمير المؤمنين حك يمينا بشمال مقتدحا بذلك، ثم قال:
الحمد لله على هبة الإنعام. ثم قال الرشيد: رويت لذي الرّمّة شيئا؟ قلت: الأكثر يا أمير المؤمنين. قال: والله لا أسألك سؤال امتحان، ولا كان هذا عليك، ولكنني أجعله سببا للمذاكرة، فإن وقع عن عرفانك، وإلا فلا ضيق عليك بذلك عندي، فماذا أراد بقوله:
ممرّ أمرّت متنه أسديّة ... يمانيّة حلّالة بالمصانع «4»
قلت: وصف يا أمير المؤمنين حمارا وحشيّا أسمنه بقل روضة تشابكت فروعه، ثم تواشجت عروقه، من قطر سحابة كانت في نوء الأسد، ثم في الذراع منه. قال:
أصبت، أفترى القوم علموا هذا من النجوم، بنظرهم، إذ هو شيء قلما يستخرج بغير أسباب للذين رويت لهم أصوله، أو أدّتهم إليه الأوهام والظنون؟ فالله أعلم بذلك.

الصفحة 164

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text