كتاب الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف
وجه الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول: البر هو العمل الصالح, فقد بين - صلى الله عليه وسلم - أن الصوم في السفر ليس بعمل صالح, بل هو من المباح؛ فلا حاجة بالإنسان إلى أن يجهد نفسه به (¬1).
الوجه الثاني: ولأنه لمّا كان الصوم في الجملة مظنة المشقة، بيّن - صلى الله عليه وسلم - أنه لا بر في الصوم؛ لإفضائه إلى هذا الضرر, وإن كان قد يتخلّف عنه في بعض الصور (¬2).
الدليل الخامس: عن حمزة بن عمرو الأسلمي - رضي الله عنه -، أنه قال: يا رسول الله، أجد بي قوة على الصيام في السفر، فهل علي جُناح؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «هي رخصة من الله، فمن أخذ بها، فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه» (¬3).
وجه الاستدلال: أن حمزة ¢ أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه به قوة على الصوم, وأنه أيسر عليه من الفطر, فخَيَّره النبي - صلى الله عليه وسلم - , وذكر له أن الفطر في السفر رخصة من الله من أخذ بها فحسن, والحسن هو المستحب, وأما من أحب أن يصوم؛ فلا جُناح عليه, ورفع الجُناح إنما يقتضي الإباحة فقط (¬4) , وهذه إشارة منه - صلى الله عليه وسلم - إلى تفضيل الفطر على الصوم (¬5).
الدليل السادس: عن أنس بن مالك الكعبي ¢ أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة وهو يتغدى، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «هلم إلى الغداء»، فقال: إني صائم، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله عز وجل وضع للمسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع» (¬6).
وجه الاستدلال: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أخبره أن الصوم موضوع عنه؛ استدعاءً منه للفطر بعد أن أخبره أنه صائم, ودعاه بعد أن أخبره أنهه صائم (¬7)؛ فدل ذلك على أفضلية الفطر في السفر.
¬_________
(¬1) ينظر: شرح العمدة كتاب الصيام 1/ 218.
(¬2) المصدر السابق 1/ 219.
(¬3) سبق تخريجه صفحة (196).
(¬4) ينظر: شرح العمدة كتاب الصيام 1/ 216, المحلى 4/ 392، وسبل السلام 1/ 574.
(¬5) ينظر: المسالك لابن العربي 4/ 190.
(¬6) سبق تخريجه صفحة (201).
(¬7) ينظر: شرح العمدة كتاب الصيام 1/ 226.