كتاب الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف
الترجيح: الذي يترجح -إن شاء الله- هو القول الثاني: أنه يجوز إفطار من سافر بعد أن استهل عليه شهر رمضان؛ وذلك لقوة أدلتهم وصراحتها ودلالتها على المطلوب، وحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - في سفره - صلى الله عليه وسلم - أثناء رمضان وفطره، نص في جواز ذلك.
وأما ما استدل به أصحاب القول الأول فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما استدلالهم بالآية فيناقش من ثلاثة وجوه:
الأول: أن قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (عام) (¬1) يدخل فيه الحاضر والمسافر، وقوله بعد ذلك: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (خاص) (¬2) , "والخاص مقدم على العام" (¬3). فثبت أنه وإن سافر بعد شهود الشهر فإنه يحل له الإفطار (¬4).
الثاني: أن الله عز وجل قد أمر من شهد الشهر كله أن يصومه، ولا يقال لمن شهد بعض الشهر أنه شهد الشهر (¬5).
الثالث: أن معنى الآية: أن من شهد أول الشهر وآخره فليصم ما دام مقيما، فإن سافر أفطر (¬6).
ثم إن السُنَّة قد بينت معنى الآية، فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد بيَّن المراد منها بفعله في غزوة الفتح، إذ صام أول الشهر بالمدينة، وخرج منها صائما حتى بلغ الكديد ثم أفطر، فكان فعله - صلى الله عليه وسلم - في هذه الغزوة -وكانت في العام الثامن من الهجرة- يعتبر من التشريعات المحكمة؛ لأن الصحابة كانوا يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره - صلى الله عليه وسلم -.
¬_________
(¬1) العام هو: اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد دفعة. ينظر: إرشاد الفحول 1/ 287.
(¬2) الخاص هو: اللفظ الدال على مسمى واحد، وقيل هو ما دل على كثرة مخصوصة. والتخصيص هو: إخراج بعض ما كان داخلا تحت العموم، على تقدير عدم المخصص. ينظر: إرشاد الفحول 1/ 352 , 350.
(¬3) وهذا نوع من أنواع الترجيح. ينظر: إرشاد الفحول 2/ 268.
(¬4) ينظر: مفاتيح الغيب للرازي 5/ 257.
(¬5) ينظر: الإشراف لابن المنذر 3/ 146، وشرح البخاري لابن بطال 4/ 86، والمغني 3/ 117.
(¬6) ينظر: تفسير القرطبي 2/ 299، وفتح القدير للشوكاني 1/ 210، والمجموع 6/ 263.