كتاب الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف

وجه الاستدلال: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أفطر بعد أن كان متلبسا بالصيام، فدل على جواز ذلك (¬1).
قال ابن عبد البر (¬2): "فهذه الآثار كلها تبين لك أن للصائم أن يفطر في سفره بعد دخوله في الصوم، مختارا له في رمضان" (¬3).
الدليل الرابع: عن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال: أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على نهر من ماء السماء والناس صيام في يوم صائف مشاة, ونبي الله - صلى الله عليه وسلم - على بغلة له، فقال: «اشربوا أيها الناس»، قال: فأبوا، قال: «إني لست مثلكم إني أيسركم، إني راكب»، فأبوا، فثنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخذه فنزل فشرب وشرب الناس، وما كان يريد أن يشرب (¬4).
وجه الاستدلال: أن هذا نص صريح في جواز إفطار المسافر بعد أن كان قد نوى الصيام؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أفطر بعد أن كان قد شرع في الصيام وأمر الناس بذلك (¬5).
الدليل الخامس: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمر الظهران (¬6)، فأُتِي بطعام، فقال لأبي بكر وعمر: «ادنوا فكلا» , فقالا: إنا صائمان. فقال: «اعملوا لصاحبيكم، ارحلوا لصاحبيكم (¬7)، ادنوا فكلا» (¬8).
¬_________
(¬1) ينظر: المنتقى للباجي 2/ 50.
(¬2) هو: يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الحافظ، أبو عمر, ولد بقرطبة, من أجلة المحدثين والفقهاء، شيخ علماء الأندلس، ومؤرخ أديب، مكثر من التصنيف, وتوفي بشاطبة سنة 463 هـ, من تصانيفه: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد؛ والكافي في الفقه. ينظر: ترتيب المدارك 8/ 127، وشجرة النور الزكية 1/ 176، الأعلام 9/ 317، والديباج المذهب ص 357.
(¬3) التمهيد 22/ 53.
(¬4) سبق تخريجه صفحة (213).
(¬5) ينظر: المغني 3/ 118، نيل الأوطار 4/ 269.
(¬6) مَرَّ الظَّهْرَانِ: هو واد بين مكة وعُسْفان, شمال مكة على مسافة اثنين وعشرين كيلا, وفيه عدد من القرئ منهاالجموم وبحرة. ينظر: معجم البلدان 4/ 63, المعالم الأثيرة ص 184.
(¬7) قال أبو حاتم: "يريد به: كأني بكما وقد احتجتما إلى الناس من الضعف إلى أن تقولوا: ارْحَلُوا لِصَاحِبَيْكُمَا، اعْمَلُوا لِصَاحِبَيْكُمَا". صحيح ابن حبان 8/ 324.
(¬8) رواه النسائي 4/ 177 رقم 2264, في الصيام, باب ما يكره من الصيام في السفر, وأحمد 14/ 156 رقم 8437. وقال الألباني في السلسلة الصحيحة 1/ 168 رقم 85: "إسناده صحيح على شرط مسلم".

الصفحة 235