كتاب الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف
المطلب الثالث: حكم المباشرة (¬1) للصائم.
اختيار الشيخ: اختار أن المباشرة تجوز لمن يملك نفسه، وتُكره لمن لا يملك نفسه، فقال: "وقد ظهر مما ذكرنا أن أعدل الأقوال وأقواها هو ما ذهب إليه الشافعي (¬2) ومن وافقه، من التفريق بين من يملك نفسه ومن لا يملك، وبه يحصل الجمع بين الأحاديث المختلفة" (¬3).
تحرير المسألة: نحا المصنفون والفقهاء في مسألة المباشرة والقبلة للصائم منحيين: فمنهم من أدرجهما تحت باب واحد، ومنهم من أفرد كل واحدة منهما بباب مستقل (¬4).
والأدلة في المسألتين بعضها خاص بكل مسألة، وبعضها مشترك. وظهر لي أن من المناسب إفراد كل مسألة على حدة وذكر الأقوال والنصوص التي تخص كل مسألة.
تحرير محل الخلاف: أجمع العلماء أن المباشرة التي هي الجماع، محرمة على الصائم، مفسدة للصيام (¬5).
واختلفوا في المباشرة التي هي دون الجماع على أربعة أقوال:
القول الأول: جواز المباشرة للصائم، إذا لم يخف منها أن تدعوه إلى غيرها، مما يمنع منه الصائم، فإن دعت إلى ذلك بأن حركت شهوته فهي مكروهة.
وهو قول: الحنفية في ظاهر الرواية (¬6) , والشافعية (¬7).
¬_________
(¬1) المُباشرة: الملامسة، وأصله من لمس بشرة الرجل بشرة المرأة، وقد يرِد بمعنى الوطء في الفرج، والمقصود هنا الأول. ينظر: النهاية 1/ 129، لسان العرب 4/ 61، تاج العروس 10/ 192.
(¬2) هو: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع, أبو عبد الله القرشيّ المُطَّلِبِيّ, أحد أئمة المذاهب الأربعة، وإليه ينتسب الشافعية, جامع لعلوم الفقه والأصول والحديث واللغة, نشر مذهبه بالحجاز والعراق, ثم انتقل إلى مصر ونشر بها مذهبه, وبها توفي سنة 204 هـ. من تصانيفه: الأم في الفقه؛ والرسالة في أصول الفقه. ينظر: تاريخ بغداد 2/ 392؛ سير أعلام النبلاء 10/ 5؛ الأعلام 6/ 26.
(¬3) مرعاة المفاتيح 6/ 484.
(¬4) من الذين أفردوا كل واحدة منهما بباب مستقل: البخاري, وابن خزيمة في صحيحيهما، والدارمي, وابن ماجة في سننهما، وابن أبي شيبة في مصنفه.
(¬5) ينظر: الإقناع لابن المنذر 1/ 193، الإقناع في مسائل الإجماع 1/ 235، مراتب الإجماع ص 39.
(¬6) المبسوط 3/ 58، بدائع الصنائع 2/ 106، الجوهرة النيرة 1/ 139، تحفة الفقهاء 1/ 367. قال في البحر الرائق 2/ 293: "والمباشرة كالقبلة في ظاهر الرواية".
(¬7) المهذب 1/ 335، فتح العزيز 6/ 425, المجموع 6/ 355، نهاية المحتاج 3/ 174.