كتاب الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف

الدليل الثاني: عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُقَبِّل وهو صائم, ويباشر وهو صائم، ولكنه أملككم لإربه» (¬1).
وجه الاستدلال: فمعنى كلام أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -: أنه ينبغي لكم الاحتراز عن القُبلة والمباشرة، ولا تتوهموا من أنفسكم أنكم مثله - صلى الله عليه وسلم - في استباحتها؛ لأنه يملك نفسه ويأمن الوقوع في قُبلةٍ أو مباشرة يتولد منها إنزال أو شهوة أو هيجان نفس ونحو ذلك، وأنتم لا تأمنون ذلك فطريقكم الانكفاف عنها (¬2).
قال العراقي (¬3): "واحتج من كره مطلقا: بأن غيره? لا يساويه في حفظ نفسه عن المواقعة بعد ميله إليها، فكان ذلك أمرا خاصا به" (¬4).
الدليل الثالث: عن الأسود (¬5)، قال: قلت لعائشة - رضي الله عنها -: أيباشر الصائم؟ ، يعني امرأته، ؟ قالت: لا، قلت: أليس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كان يباشر وهو صائم؟ قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أملكُكُم لإِرْبه» (¬6).
¬_________
(¬1) رواه البخاري 2/ 680 رقم 1826, في الصوم باب المباشرة للصائم, ومسلم 2/ 776 رقم 1106, في الصيام باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته, واللفظ له.
(¬2) ينظر: شرح مسلم النووي 7/ 217, وشرح الزرقاني للموطأ 2/ 244, وعون المعبود 7/ 8.
(¬3) هو: زين الدين عبد الرحيم بن حسين، أبو الفضل العراقي الكردي, المحدث الشافعي. طلب العلم عن جماعة منهم: العز بن جماعة, وابن التركماني, وغيرهما. تتلمذ عليه: ابنه أبو زرعة، والهيثمي، وابن حجر, وغيرهم. توفي بالقاهرة 806 هـ, من مؤلفاته: الألفية في علوم الحديث، تخريج أحاديث إحياء علوم الدين. ينظر: طبقات الشافعية 4/ 29, وحسن المحاضرة 1/ 360, الأعلام 3/ 344.
(¬4) طرح التثريب 4/ 138.
(¬5) هو: الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، أبو عمرو الفقيه الحافظ المخضرم, كان عالم الكوفة في عصره, روى عن: أبي بكر, وعمر, وعلي, وابن مسعود, وغيرهم. وعنه ابنه: عبد الرحمن, وأخوه عبد الرحمن, وابن أخته إبراهيم بن يزيد النخعي, وغيرهم, توفي سنة 75 هـ. ينظر: الطبقات الكبرى 6/ 70, سير أعلام النبلاء /50, تهذيب التهذيب 1/ 343.
(¬6) رواه أحمد 41/ 434 رقم 24965, واللفظ له, وقال محققه الأرنؤوط: "صحيح", والنسائي في السنن الكبرى 3/ 309 رقم 3096, في المباشرة للصائم, والبيهقي في السنن الكبرى 4/ 392 رقم 8091, في الصيام باب كراهية القبلة لمن حركت شهوته, وينظر إرواء الغليل 4/ 80 رقم 934.

الصفحة 260