كتاب الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف
الصوم كما يفسده الجماع. وكما ثبت عندهم أن أوائل الشرب لا يفسد الصيام، فكذلك أوائل الجماع" (¬1).
الدليل الرابع: عن عَطاء بن يَسار (¬2) أن رجلا قبل امرأته وهو صائم في رمضان، فوجد من ذلك وَجْدا شديدا، فأرسل امرأته تسأل له عن ذلك، فدخلت على أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذكرت ذلك لها، فأخبرتها أم سلمة: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبل وهو صائم»، فرجعت فأخبرت زوجها بذلك؛ فزاده ذلك شرا؛ وقال: لسنا مثل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الله يحل لرسول الله ما شاء، ثم رجعت امرأته إلى أم سلمة، فوجدت عندها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «ما لهذه المرأة»، فأخبرته أم سلمة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك»، فقالت: قد أخبرتها، فذهبت إلى زوجها فأخبرته، فزاده ذلك شرا؛ وقال: لسنا مثل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , يحل الله لرسوله ما شاء، فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال: «والله إني لأتقاكم لله، وأعلمكم بحدوده» (¬3).
وجه الاستدلال: في هذا الحديث من الفقه: أن القُبلة للصائم جائزة في رمضان وغيره، شابا كان أو شيخا؛ أخذا بظاهر الحديث وعمومه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل للمرأة: هل زوجك شاب أم شيخ؟ , ولو ورد الشرع بالفرق بينهما لما سكت عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه المبيِّن عن الله مراده (¬4).
الدليل الخامس: عن عائشة بنت طلحة أنها كانت عند عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، فدخل عليها زوجها هنالك؛ وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق؛ وهو صائم، فقالت له عائشة: «ما منعك أن تدنو من أهلك فتقبلها وتلاعبها» , فقال: أقبلها وأنا صائم؟ قالت: «نعم» (¬5).
¬_________
(¬1) ينظر: فتح الباري 4/ 152، المغني 3/ 127، شرح الزرقاني على الموطأ 2/ 243.
(¬2) هو: عطاء بن يسار الهلالي، أبو محمد المدني القاص، مولى أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها, من كبار التابعين وعلمائهم, روى عن: معاذ بن جبل, وابن عمر, وابن عباس, وغيرهم, وعنه: أبو سلمة بن عبد الرحمن, وزيد بن أسلم, وعمرو بن دينار, وغيرهما, توفي سنة 103 هـ. ينظر: طبقات ابن سعد 5/ 173، وسير أعلام النبلاء 4/ 448، وتهذيب الكمال 20/ 125.
(¬3) رواه مالك في الموطأ ص/291، في الصيام باب ما جاء في الرخصة في القبلة للصائم, وعنه الشافعي في المسند 2/ 116 رقم 644, في الصيام باب قبلة الرجل امرأته وهو صائم.
(¬4) الاستذكار 3/ 294, وينظر: نخب الأفكار للعيني 8/ 514.
(¬5) سبق تخريجه صفحة (261).