كتاب الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف
الوجه الثاني: وعلى فرض صحته؛ فإنما يُفسَر بأنه - صلى الله عليه وسلم - قد أجاب عن صائمَين بأعيانهما، وعَلِمَ - صلى الله عليه وسلم - أنهما لا يملكان أنفسهما، فقال ذلك فيهما، أي أنه إذا كانت القبلة منهما، فقد كان معها غيرها مما يضرهما (¬1).
الوجه الثالث: أن حديث أبي سعيد الخدري ¢ في ترخيصه - صلى الله عليه وسلم - في القبلة للصائم ناسخ لهذا الحديث -وإن صح-؛ لأن الرخصة تأتي بعد المنع (¬2).
الثالث: وأما استدلالهم برؤية عمر ¢ للنبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام، فيجاب عنه من وجهين:
الوجه الأول: أن الحديث انفرد به راوي ضعيف فلا تقوم به الحجة (¬3).
الوجه الثاني: وعلى التسليم بصحة الحديث؛ فإن الشرائع لا تؤخذ من المنامات؛ لا سيما وقد افتى النبي - صلى الله عليه وسلم - عمر في اليقظة بإباحة القبلة, وهو في ذلك الوقت أشد وأقوى منه حين رأى هذا المنام, فمن المحال أن ينسخ - صلى الله عليه وسلم - تلك الإباحة بعد موته حين كان عمر أسن وأضعف من ذلك الوقت (¬4).
الرابع: وأما استدلالهم بأثر ابن مسعود ¢ فيجاب عنه:
أن هذا محمول على ما إذا قبل فأنزل، والتفسير الذي جاء في الأثر هو من بعض الرواة وليس من كلام ابن مسعود (¬5).
والدليل: أنه قد ثبت عن ابن مسعود - رضي الله عنه -؛ «أنه كان يباشر امرأته بنصف النهار، وهو صائم» (¬6).
سابعا: وأما ما استدل به ابن حزم من استحباب القبلة حتى وإن أفضت إلى الإنزال فيجاب عنه:
بأن القول بالاستحباب فيه شيء من المجازفة، وذلك لأمور:
الأمر الأول: أن الأحاديث الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأت في واحد منها بيان استحباب القبلة للصائم.
الأمر الثاني: أن هذا القول لم يقل به أحد من السلف.
¬_________
(¬1) ينظر: شرح معاني الآثار 2/ 89.
(¬2) ينظر: المحلى 4/ 343.
(¬3) انفرد به عمر بن حمزة العمري وهو ضعيف. ينظر: الجوهر النقي 4/ 232, وتقريب التهذيب 1/ 411.
(¬4) ينظر الجوهر النقي 4/ 232.
(¬5) ينظر: السنن الكبرى للبيهقي 4/ 395, حاشية ابن القيم على سنن أبي داوود 7/ 11.
(¬6) سبق تخريجه صفحة (263).