كتاب الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف
الدليل الثاني: قوله تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} (¬1).
وجه الاستدلال: أن النسيان ليس من كسب القلب، فلا يؤاخذ عليه الصائم (¬2).
الدليل الثالث: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من نسي وهو صائم فأكل أو شَرِب, فليتم صومه، فإنما الله أطعمه وسقاه» (¬3).
وفي رواية: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - , فقال: إني أكلت وشربت ناسيا وأنا صائم؟ فقال: «الله أطعمك وسقاك» (¬4).
وجه الاستدلال من أربعة وجوه:
الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر من أكل أو شرب ناسيا بإتمام صومه؛ تخصيصا له بهذا الحكم بقوله: «من أكل أو شرب ناسيا» , فعلم أن هذا إتمام لصوم صحيح, إذ لو كان المراد به وجوب الإمساك؛ لم يكن بين العامد والناسي فرق (¬5).
الثاني: أنه قال: «فليتم صومه» , وصومه هو الصوم الصحيح المجزئ, وقد أمر بإتمامه, فعُلِم أن الصوم الذي بعد الأكل تمام للصوم الذي قبله, ولو أراد وجوب الإمساك فقط؛ لقال: فليتم صياما, أو: فليصم بقية يومه ونحو ذلك (¬6).
الثالث: أنه لم يأمره بالقضاء, وقد جاء مستفتيا له عما يجب عليه، شاكا في الأكل مع النسيان: هل يفسد أو لا يفسد؟ . ومعلوم أن القضاء لو كان واجبا، لذَكَره له؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة (¬7).
¬_________
(¬1) سورة البقرة: آية: 225.
(¬2) ينظر: فتح الباري 4/ 157, نيل الأوطار 4/ 245.
(¬3) رواه البخاري 3/ 31 رقم 1933, كتاب الصوم, باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيا, ومسلم 2/ 809 رقم 1155, كتاب الصيام, باب أكل الناسي وشربه وجماعه لا يفطر.
(¬4) رواه أبو داوود 2/ 315 رقم 2398, كتاب الصوم, باب من أكل ناسيا, وقال الألباني في صحيح أبي داود 7/ 161: "إسناده صحيح على شرط مسلم".
(¬5) ينظر: شرح العمدة كتاب الصيام 1/ 457.
(¬6) ينظر: شرح العمدة كتاب الصيام 1/ 457، وينظر: إحكام الأحكام 2/ 12، عمدة القاري 11/ 18.
(¬7) ينظر: شرح العمدة كتاب الصيام 1/ 457 - 458، والحاوي الكبير 3/ 431.