كتاب الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف

«هما فجران؛ فأما الفجر الذي كأنه ذَنَب السِرْحان (¬1)؛ فإنه لا يُحِلّ شيئا ولا يحرمه, وأما المستطير الذي يأخذ الأفق؛ فبه تحل الصلاة ويحرم الصيام» (¬2).
وجه الاستدلال: نص الحديث على أن طلوع الفجر الصادق هو الذي به تحل الصلاة ويحرم الطعام (¬3).
أدلة القول الثاني: القائلين بأن المعتبر في تحريم الأكل والشرب تبيّن الفجر.
الدليل الأول: قول الله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} (¬4).
وجه الاستدلال: أن الله تعالى أباح الجِماع والأكل والشرب إلى أن يتبين لنا الفجر، ولم يقل تعالى: حتى يطلع الفجر، فلا يجب الصوم بطلوع الفجر ما لم يتبين للرائي (¬5).
الدليل الثاني: عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم»، وكان رجل أعمى لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت (¬6).
وجه الاستدلال: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أجاز الأكل إلى حين يؤذن ابن أم مكتوم, مع قوله: «لا يؤذن حتى يقال له أصبحتَ»، أي: طلع الفجر, ومعلوم أن من أكل حين تأذينه؛ فقد أكل بعد طلوع الفجر؛ لأنه لا بد أن يتأخر تأذينه عن طلوع الفجر ولو لحظة (¬7).
¬_________
(¬1) السِّرْحان: الذئب، وجمعه سَراحِين وسِرَاح، وعند بعضهم هو الأَسَد. وشُبِّه بذنب السرحان لاستطالته ودقته، وتسميه العرب الفجر الكاذب. ينظر: تهذيب اللغة 14/ 12، والنهاية 2/ 358، والمخصص 2/ 390.
(¬2) رواه أبو داود في مراسيله 1/ 123 رقم 97, باب ما جاء في الصوم, والدارقطني في السنن 3/ 115 رقم 2184, كتاب الصيام, باب في وقت السحر, وقال: "هذا مرسل", والبيهقي في السنن الكبرى 4/ 364 رقم 8002, كتاب الصيام, باب الوقت الذي يحرم فيه الطعام على الصائم, وقال: "هذا مرسل، وقد روي موصولا بذكر جابر بن عبد الله فيه", وقال الألباني في السلسلة الصحيحة 5/ 8 رقم 2002: "إسناد جيد".
(¬3) ينظر: شرح العمدة كتاب الصيام 1/ 531.
(¬4) سورة البقرة: آية: 187.
(¬5) ينظر: المحلى 4/ 366.
(¬6) سبق تخريجه صفحة (335).
(¬7) ينظر: المحلى 4/ 368، شرح العمدة كتاب الصيام 1/ 526.

الصفحة 345