كتاب الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف

الدليل الثالث: عن عبد الله بن عبد الله بن عمر (¬1) أنه احتلم ليلا في رمضان فاستيقظ قبل أن يطلع الفجر, ثم نام قبل أن يغتسل, فلم يستيقظ حتى أصبح, قال: فلقيت أبا هريرة - رضي الله عنه - حين أصبحت فاستفتيته في ذلك, فقال: «أفطر, فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر بالفطر إذا أصبح الرجل جنبا» (¬2).
الترجيح: الذي يترجح والله أعلم هو القول الأول: أن صيامه صحيح, وإن اغتسل بعد الفجر؛ لصحة ما استدلوا به, ولثبوته عن النبي، ولأن أمر الأمة استقر على صحة صيام من لم يغتسل من الجنابة إلا بعد طلوع الفجر.
قال النووي: "ثم ارتفع هذا الخلاف، وأجمع العلماء بعد هؤلاء على صحته" (¬3).
وأما أدلة القول الثاني فيجاب عنها بما يلي:
أولا: أن أبا هريرة - رضي الله عنه - قد تراجع عن هذه الفتوى كما ثبت عنه, وهذه النصوص توضح ذلك:
الأول: عن عامر بن أبي أُمَيَّة (¬4) ¢، أخي أم سَلَمة - رضي الله عنها -: "أن أم سلمة حدثته «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصبح جنبا ثم يصوم» , قال: «فَرَدَّ أبو هريرة فُتياه» (¬5).
الثاني: ذُكِر لأبي هريرة - رضي الله عنه - أن أم سلمة وعائشة - رضي الله عنهما - تقولان: «كان النبي - رضي الله عنه - يصبح جُنُبا من غير حلم، ثم يصوم»، قال: «هما أعلم»، ثم رد أبو هريرة - رضي الله عنه - ما كان يقول في ذلك إلى
¬_________
(¬1) هو: عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، أبو عبد الرحمن المدني, وصي أبيه, سمع: أباه، وأبا هريرة، وأسماء بنت زيد بن الخطاب, وعنه: عبد الرحمن بن القاسم، والزهري، ومحمد بن جعفر بن الزبير، وغيرهم, توفي سنة 105 هـ. ينظر: الطبقات الكبرى 5/ 201, تهذيب التهذيب 5/ 286, تاريخ الإسلام 3/ 80.
(¬2) رواه البخاري تعليقا 3/ 29 رقم 1926, في الصوم باب الصائم يصبح جنبا, ووصله النسائي في الكبرى 3/ 260 رقم 2937, 2938, في الصيام باب صيام من أصبح جنبا ...
(¬3) شرح صحيح مسلم 7/ 222.
(¬4) هو: عامر بن أبي أمية بن المغيرة القرشي المخزومي, صهر النبي - صلى الله عليه وسلم - , أسلم عام الفتح وكان من الطلقاء, روى: عن أخته أم سلمة, وعنه: ابن المسيب. ينظر: معرفة الصحابة 4/ 2064, الإصابة 3/ 577, تهذيب التهذيب 5/ 62.
(¬5) رواه أحمد 44/ 225 رقم 26609, وقال شعيب الأرنؤوط: "إسناده صحيح", وابن حبان 8/ 270 رقم 3500, وأبو داود الطيالسي 3/ 179 رقم 1711, وقال الألباني في التعليقات الحسان 5/ 335 رقم 3491: "صحيح".

الصفحة 352