كتاب الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف
وأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن من لم يدع القول بالباطل -وهو الزور- ولم يدع العمل به, فلا حاجة لله تعالى في ترك طعامه وشرابه. فصح أن الله تعالى لا يرضى صومه ذلك ولا يتقبله، وإذا لم يَرْضَه ولا قَبِله فهو باطل ساقط (¬1).
الترجيح: الذي يترجح في هذه المسألة -والله أعلم- هو القول الأول: وهو ما استقر عليه إجماع المسلمين من أن الغيبة وقول الزور ونحوهما من الأقوال المحرمة لا تُفَطِّر الصائم.
وأما الأحاديث الصحيحة التي فهم منها بعض أهل العلم -كابن حزم- إفطار الصائم بسبب ارتكاب المعاصي كالغيبة وقول الزور, فقد أجاب عنها أهل العلم بما يشفي ويكفي:
قال العَمْراني (¬2): "وأما الخبر فالمراد به أنه يسقط ثوابه، حتى يصير في معنى المفطر، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من قال لأخيه والإمام يخطب: أَنْصِت, فلا جمعة له» (¬3). ولم يُرِد أن صلاته تبطل، وإنما أراد أن ثوابه يسقط، حتى يصير في معنى من لم يصل" (¬4).
وقال ابن المُلَقِّن (¬5): "أما فقه الباب فهو أن حكم الصائم الإمساك عن الرفث وقول الزور، كما يمسك عن الطعام والشراب، وإن لم يمسك عن ذلك فقد نَقَص صيامه، وتعرض لسخط ربه تعالى وترك قبوله منه، وليس معناه أن يؤمر بأن يدع صيامه إذا لم يدع قول الزور، وإنما معناه التحذير من قول الزور، وهذا كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من باع الخمر
¬_________
(¬1) ينظر: المحلى 4/ 305 - 306.
(¬2) هو: يحيى بن أبي الخير سالم بن أسعد اليماني، أبو الحسين العمراني الشافعي, فقيه أصولي متكلم، كان شيخ الشافعية في بلاد اليمن, تفقه على: خاله الإمام أبو الفتوح العمراني, وزيد بن عبد الله اليافعي, وغيرهما, توفي سنة 558 هـ, من تصانيفه: البيان في فروع الشافعية، ومناقب الإمام الشافعي. ينظر: طبقات الشافعية الكبرى 7/ 336، طبقات الشافعية 1/ 328, والأعلام 8/ 146.
(¬3) أخرجه أبو داود 1/ 276 رقم 1051، أبواب الجمعة باب فضل الجمعة، وأحمد 2/ 125 رقم 719، وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب 1/ 110 رقم 433: "ضعيف".
(¬4) البيان للعمراني 3/ 235، وينظر: الحاوي الكبير 3/ 465.
(¬5) هو: عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الأندلسي الشافعي ثم المصري، سراج الدين، أبو حفص ابن النحوي، المعروف بابن الملقن, من أكابر العلماء بالحديث والفقه والرجال, من مصنفاته: التوضيح في شرح البخاري، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام, البدر المنير في تخريج أحاديث شرح الوجيز, توفي سنة 804 هـ بالقاهرة. ينظر: إنباء الغمر 2/ 216, البدر الطالع 1/ 508.