كتاب الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف

بمِكْتل (¬1) يدعى العَرَق، فقال: «أين المحترق؟ ». قال: أنا. قال: «تصدق بهذا» (¬2).
وجه الاستدلال: أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أطعمه أهلك» دل على سقوط الكفارة بالإعسار المقارن لوجوبها؛ لأن الكفارة لا تصرف إلى النفس ولا إلى العيال، ولم يبين النبي - صلى الله عليه وسلم - استقرارها في ذمته إلى حين يساره (¬3). ولو كانت واجبة لم يسكت عنه حتى يبين ذلك له (¬4).
الدليل الثالث: وقياسا على زكاة الفطر إذا عدمها وقت الوجوب ثم وجدها فيما بعد؛ فإنها تسقط عنه؛ لتعلقها بطُهرة الصوم (¬5).
أدلة القول الثاني: القائلين تبقى الكفارة في ذمته إلى أن يجدها.
الدليل الأول: استدلوا بحديث المجامع الذي استدل به أصحاب القول الأول.
وجه الاستدلال: أن الأعرابي لما أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعجزه عن أجناس الكفارة لم يبين له سقوطها عنه، بل أمر له بما يكفر به من التمر، فدل على ثبوتها في ذمته وإن عجز عنها (¬6).
قال الخطابي: "هذا رجل وجبت عليه الرقبة فلم يكن عنده ما يشتري به رقبة، فقيل له: صم، فلم يطق الصوم، فقيل له: أطعم ستين مسكينا، فلم يجد ما يطعم، فأمر له النبي - صلى الله عليه وسلم - بطعام ليتصدق به، فأخبر أنه ليس بالمدينة أحوج منه, فلم ير له أن يتصدق على غيره ويترك نفسه وعياله، فلما نقص من ذلك بقدر ما أطعم أهله لقوت يومه صار طعاما لا يكفي ستين مسكينا، فسقطت عنه الكفارة الوقت فكانت في ذمته إلى أن يجدها، وصار كالمُفلِس (¬7) يُمهَل ويؤجَل، وليس في الحديث أنه قال: لا كفارة عليك" (¬8).
¬_________
(¬1) المِكْتَل: الزبيل الكبير. أي وعاء يحمل فيه مثل القُفَّة، من ورق النخل ونحوه، قيل: إنه يسع خمسة عشر صاعا، كأن فيه كُتلا من التمر: أي قطعا مجتمعة. ويجمع على مكاتل. ينظر: النهاية 4/ 150، والصحاح 5/ 1809، ومعجم لغة الفقهاء ص 456.
(¬2) رواه البخاري 3/ 32 رقم 1935, في الصوم باب إذا جامع في رمضان, ومسلم 2/ 783 رقم 1112, في الصيام, باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم ...
(¬3) ينظر: فتح الباري 4/ 171، إحكام الأحكام 2/ 16، والحاوي 3/ 433، المغني 3/ 143.
(¬4) ينظر: شرح البخاري لابن بطال 4/ 76، التمهيد 7/ 178.
(¬5) ينظر: الحاوي الكبير 3/ 433، وإحكام الأحكام 2/ 17، والمجموع 6/ 343، والمبدع 3/ 35.
(¬6) ينظر: الحاوي الكبير 3/ 433.
(¬7) المُفْلس: هو الذي لا مال له ولا ما يدفع حاجته. ينظر: القاموس الفقهي لغة واصطلاحا ص 290.
(¬8) معالم السنن 2/ 119، وينظر: شرح عمدة الفقه كتاب الصيام 1/ 297، المجموع 6/ 344، المحلى 4/ 335.

الصفحة 365