كتاب الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف
وأما أصحاب القول الثاني: الذين حملوا النهي على الكراهة فيجاب عن حملهم من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن الأصل في النهي التحريم، فوجب حمله على ذلك، ولا يصرف إلى الكراهة إلا بدليل.
الوجه الثاني: أن ما ورد في آخر حديث جويرية - رضي الله عنها -: «فأمرها - صلى الله عليه وسلم - فأفطرت» (¬1)، لا يُشعِر بأن صيامه مكروه بل محظور، لأنه لو كان مكروها لاكتفى بتوجيهها كما فعل - صلى الله عليه وسلم - في من صامت يوم السبت ولم تصم يوما قبله, فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فكلي فإن صيام يوم السبت لا لك ولا عليك» (¬2).
الوجه الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على أن يوم الجمعة يوم عيد؛ والعيد لا يصام: لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن هذا يوم جعله الله عيدا» (¬3). وفي حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا صوم يوم عيد» (¬4). ثم استثنى - صلى الله عليه وسلم - صورتين:
الأولى: صيامه مع غيره ودليلها حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - المرفوع المتقدم: «يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده».
¬_________
(¬1) رواه البخاري معلقا 3/ 42 في الصيام باب صوم يوم الجمعة، ووصله الحافظ في تغليق التعليق 3/ 202 - 203.
(¬2) رواه أحمد 45/ 8 رقم 27076, عن الصماء بنت بُسْر رضي الله عنها, وقال شعيب الأرناؤوط: "إسناده ضعيف", وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: "وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام", وقال الألباني في الصحيحة رقم 3101: "فهو إسناد جيد لولا ما في ابن لهيعة من الضعف".
(¬3) أخرجه مالك في الموطأ 2/ 88 رقم 213, كتاب الطهارة باب ما جاء في السواك, عن ابن السَّبَّاق، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في جمعة من الجمع, ومن طريقه البيهقي في الكبرى 3/ 345 رقم 5959, من جماع أبواب الهيأة للجمعة باب السنة في التنظيف يوم الجمعة بغسل, وقال: "هذا هو الصحيح مرسل, وقد روي موصولا ولا يصح وصله", ورواه ابن ماجه 1/ 349 رقم 1098, كتاب إقامة الصلاة باب ما جاء في الزينة يوم الجمعة, عن عبيد بن السباق عن ابن عباس - رضي الله عنه - , وصححه الألباني في صحيح الجامع 1/ 449 رقم 2258.
(¬4) رواه أحمد في مسنده 18/ 260 رقم 11733, والنسائي في الكبرى 3/ 218 رقم 2803, في الصيام تحريم صيام يوم الفطر ويوم النحر, وابن حبان في صحيحه 8/ 363 رقم 3599, في الزجر عن صوم يوم العيد، ذكر الزجر عن صيام يوم العيد للمسلمين, وقال الأرنؤوط: "إسناده صحيح على شرط مسلم", وينظر: الإرواء رقم 962.