كتاب الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف

وجه الاستدلال من الأحاديث: فمن المؤكد دخول يوم السبت في تلك الأيام التي يسردها - عليه السلام - في شعبان وغيره. كما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد حَثَّ على صيام يوم عاشورا ويوم عرفة، وقد يوافقان يوم السبت، وهذا كله مستثنى من صورة الكراهة.
الدليل الثامن: حديث أن امرأة دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يتغدى وذلك يوم السبت, فقال: «تعالي فكلي» فقالت: إني صائمة, فقال لها: «صمت أمس»؟ فقالت: لا, قال: «فكلي فإن صيام يوم السبت لا لك ولا عليك» (¬1).
وجه الاستدلال: فتوجيه النبي - صلى الله عليه وسلم - لها بالفطر، بعد أن أخبرته أنها لم تصم قبله يوما دليل على كراهة إفراده، أما لو كانت صامت يوما قبله لما كره.
الدليل التاسع: عن الصَمّاء بنت بُصْر (¬2) - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افتُرِض عليكم, فإن لم يجد أحدكم إلا عود عنب أو لِحَاء (¬3) شجرة فليمضغه» (¬4).
وجه الاستدلال: أن معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا تصوموا يوم السبت»، أي: لا تقصدوا صومه بعينه إلا في الفرض, فإن الرجل يقصد صومه بعينه، بحيث لو لم يجب عليه إلا صوم يوم السبت؛ كمن أسلم ولم يبق من الشهر إلا يوم السبت، فإنه يصومه وحده. وأيضا فقَصدُه بعينه في الفرض لا يُكره، بخلاف قصده بعينه في النفل فإنه يُكره، ولا تزول الكراهة إلا بضم غيره إليه، أو موافقته عادة. فالمُزيل للكراهة في الفرض مجرد كونه فرضا لا المقارنة بينه وبين غيره،
¬_________
(¬1) سبق تخريجه صفحة (416).
(¬2) هي: الصَمّاء بنت بُسْر المازنية, يقال اسمها بهية ويقال بهيمة, أخت عبد الله بن بسر، وقيل عمته، وقيل خالته, روى عنها: عبد الله بن بسر، وأبو زيادة عبيد الله بن زياد. ينظر: معرفة الصحابة 6/ 3380, تهذيب الكمال 35/ 218, الإصابة 7/ 748.
(¬3) يقال: لِحاء، ككِساء، ولِحى: وهو قشر الشجر. ينظر: الصحاح 6/ 2480، معجم مقاييس اللغة 5/ 240، تاج العروس 39/ 443.
(¬4) أخرجه أبو داود 2/ 320 رقم 2421, في الصيام باب النهي أن يخص يوم السبت بصوم, وقال: "وهذا حديث منسوخ"، والترمذي 3/ 111 رقم 744, أبواب الصيام باب ما جاء في كراهية صوم يوم السبت, وقال: "هذا حديث حسن", وابن ماجه 1/ 550 رقم 1726, في الصيام باب ما جاء في صيام يوم السبت, وأحمد 45/ 7 رقم 27075, وقال شعيب الأرنؤوط: "رجاله ثقات إلا أنه أعل بالاضطراب والمعارضة", وقال الألباني في الإرواء 4/ 118 رقم 960: "صحيح".

الصفحة 423