كتاب الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف
وقال أيضا: «الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إلى يوم عرفة، فإن لم يجد هديا ولم يصم، صام أيام مِنى» (¬1).
الوجه الثاني: أنه لا خلاف بين أهل العلم أن هذه الآية نزلت في يوم التروية، وهو الثامن من ذي الحِجَّة، فعُلِم أنه سبحانه وتعالى أراد بها أيام التشريق؛ إذ لا يمكن الصيام قبلها (¬2).
الوجه الثالث: أن الله أوجب على المتمتع ما استيسر من الهدي، وأنه لا يلزمه نحره إلا يوم النحر وأيام التشريق، فإن لم يجد وجب عليه الصوم، ولا يكون ذلك إلا أيام التشريق؛ لأننا لا نستطيع إلزامه بالصوم وهو لا يدري أيجد الهدي أم لا؟ ، والواجب عليه صيام ثلاثة أيام في الحج ولم يبق معه إلا إيام التشريق، فكان صيامها واجبا عليه (¬3).
الدليل الثاني: عن عائشة وابن عمر - رضي الله عنهما - قالا: «لم يُرخَص في أيام التشريق أن يُصَمْن إلا لمن لم يجد الهدي» (¬4).
وجه الاستدلال: فهذا الحديث نص في المسألة، حيث إنه قد رُخِّص للمتمتع -الذي لم يجد الهدي- في صيام أيام التشريق، والمُرَخِّص هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن قول الصحابي: أُمِرنا بكذا ونُهينا عن كذا ورُخِّص لنا في كذا وأمثالها من العبارات، لها حُكم الرفع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمنزلة قول الراوي: قال - صلى الله عليه وسلم - كذا (¬5).
الدليل الثالث: عن عائشة - رضي الله عنها - أنها كانت تقول: «الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج (لمن لم يجد هديا)، ما بين أن يُهِلّ بالحج إلى يوم عرفة، فإن لم يصم صام أيام مِنى» (¬6).
الدليل الرابع: عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: «من فاته صيام ثلاثة أيام في الحج صامهن أيام التشريق» (¬7).
¬_________
(¬1) رواه البخاري 3/ 43، رقم 1999، في الصوم باب صيام أيام التشريق.
(¬2) ينظر: الحاوي الكبير 3/ 455، والمُعْلم 2/ 59.
(¬3) مستفاد من كلام طويل للطبري في تفسيره 3/ 100، وينظر: تفسير القرطبي 2/ 400.
(¬4) أخرجه البخاري 4/ 284 رقم 1997 في الصوم باب صيام أيام التشريق.
(¬5) ينظر: المجموع 6/ 442، أضواء البيان 5/ 161، معرفة أنواع علوم الحديث لابن الصلاح ص 49.
(¬6) رواه البخاري 4/ 285 رقم 1199, كتاب الصيام، باب صيام أيام التشريق.
(¬7) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 3/ 154 رقم 12992 كتاب الحج, باب من رخص في الصوم ولم ير عليه هديا، وابن جرير في تفسيره 2/ 249، واللفظ له.