كتاب الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف
الدليل الرابع: عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: رجل يصوم الدهر، قال: «وَدِدتُ أنه لم يَطْعَم الدهر» (¬1).
وجه الاستدلال: فقوله - صلى الله عليه وسلم -: «وددت أنه لم يطعم الدهر» أي: وددت أنه ما أكل ليلا ولا نهارا حتى مات جوعا. والمقصود: بيان كراهة عمله, وأنه مذموم العمل، حتى يتمنى له - صلى الله عليه وسلم - الموت جوعا (¬2).
الدليل الخامس: وعن أبي موسى - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من صام الدهر ضُيِّقت عليه جهنم هكذا وقبض كفه» (¬3).
وجه الاستدلال: ظاهر هذا الحديث يقتضي المنع من صوم الدهر؛ لأن جهنم تُضَيَّق على من فعل ذلك، حصرا له فيها؛ لتشديده على نفسه، وحمله عليها، ورغبته عن سُنَّة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، واعتقاده أن غير سُنَّته أفضل منها (¬4).
الدليل السادس: ما ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - قال للثلاثة الذين قال أحدهم: إنه يصوم ولا يفطر, وقال الثاني إنه يقوم الليل ولا ينام, وقال الثالث إنه لا يأتي النساء, فقال - صلى الله عليه وسلم -: «أما أنا فأصوم وأُفطِر, وأقوم وأنام, وآتي النساء, فمن رغب عن سنتي فليس مني» (¬5).
وجه الاستدلال: أن هذا الحديث يدل على أن صيام الدهر مِن الرُغوب عن سُنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فاستحق فاعله ما رتبه عليه من الوعيد، فمن رغِب عن سُنَّته فليس على هَديِه وطريقته (¬6).
¬_________
(¬1) رواه النسائي 4/ 208 رقم 2385, في الصيام باب صوم ثلثي الدهر وذكر اختلاف الناقلين للخبر في ذلك, وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 1/ 250 رقم 1036: "صحيح".
(¬2) ينظر: حاشية السندي على النسائي 4/ 208.
(¬3) سبق تخريجه صفحة (445).
(¬4) ينظر: الجوهر النقي لابن التركماني 4/ 300، المحلى 4/ 436، فتح الباري 4/ 222.
(¬5) أخرجه البخاري 7/ 2 رقم 5063, في النكاح, باب الترغيب في النكاح, ومسلم 2/ 1020 رقم 1401, في النكاح, باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه.
(¬6) ينظر: السيل الجرار ص: 296.