كتاب الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف
الدليل الأول: عن عائشة - رضي الله عنها -، قالت: «كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصومه, فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما نزل رمضان كان رمضان الفريضة، وتُرِك عاشوراء، فكان من شاء صامه ومن شاء لم يصمه» (¬1).
وجه الاستدلال من أربعة وجوه:
الوجه الأول: في قولها - رضي الله عنها -: «صامه وأمر بصيامه»، دليل على أنه كان واجبا؛ وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بصيامه، والأمر المجرد عن القرائن يدل على الوجوب (¬2).
الوجه الثاني: في قولها - رضي الله عنها -: «كان رمضان الفريضة»، وهذا اللفظ مشير إلى فرضية عاشوراء قبل رمضان, فمعنى كلامها: صار رمضان هو الفريضة، بعد أن كان عاشوراء هو الفريضة (¬3)؛ فيكون معنى (كان) هنا بمعنى: (صار) (¬4).
الوجه الثالث: في قولها - رضي الله عنها -: «وتُرِك عاشوراء»، فهذا لا يمكن التخلص منه إلا بأن صيامه كان فرضا قبل رمضان، وحينئذ فيكون المتروك وجوب صومه لا استحبابه، ويتعين هذا ولا بد؛ لأنه - عليه السلام - قال قبل وفاته بعام كما في حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع» (¬5)، أي: معه، فعُلِم أن استحبابه لم يترك (¬6).
الوجه الرابع: في قولها - رضي الله عنها -: «فكان من شاء صامه ومن شاء لم يصمه»: دليل على التخيير في صيامه، مع أنه سنة اليوم؛ فلو لم يكن قبل ذلك واجبا لم يصح التخيير (¬7).
¬_________
(¬1) رواه البخاري 6/ 24 رقم 4504, كتاب تفسير القرآن, باب {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} , واللفظ له, ومسلم 2/ 792 رقم 1125, كتاب الصيام, باب صوم يوم عاشوراء.
(¬2) ينظر عمدة القاري 11/ 122، والكواكب الدراري 9/ 77، والمنتقى 2/ 58.
(¬3) ينظر: فيض الباري 5/ 204، وينظر: البيان والتحصيل 17/ 324.
(¬4) كقوله تعالى: {إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين} سورة ص: الآية: 74. أي: صار.
(¬5) رواه مسلم 2/ 798 رقم 1134, كتاب الصيام باب أي يوم يصام في عاشوراء.
(¬6) ينظر: زاد المعاد 2/ 68.
(¬7) ينظر: المجموع 6/ 384.