كتاب الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف
سبب الخلاف: لهذه المسألة شقان, لكل شق سبب خلاف خاص:
الشق الأول: القضاء على الفور, وسبب الخلاف فيه: المفهوم من قول عائشة - رضي الله عنها -: «كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، الشغل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» (¬1)، هل يفهم منه جواز التأخير، أو يفهم منه البدار مع التمكن؛ لأن عائشة - رضي الله عنها - بينت العذر الذي منعها من البدار، وأوجب عليها التراخي؛ وهو الشغل بحق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬2).
الشق الثاني: التتابع في القضاء, وسبب اختلافهم فيه: تعارض ظواهر النصوص والقياس؛ وذلك أن القياس يقتضي أن يكون الأداء على صفة القضاء، أما ظاهر قوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (¬3) فإنما يقتضي إيجاب العدد فقط لا إيجاب التتابع (¬4).
أدلة القول الأول: القائلين بجواز تأخير قضاء رمضان وتفريقه بعذر وبغير عذر.
الدليل الأول: قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (¬5).
وجه الاستدلال: أن الآية نصت على أن الله يريد اليسر بعباده، وقد يكون تفريق القضاء، وتأخيره هو الأيسر (¬6).
الدليل الثاني: قوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (¬7).
وجه الاستدلال: أن قوله تعالى: {أَيَّامٍ أُخَرَ}، نكرة في سياق الإثبات (¬8)، فيكون ذلك أمرا بصوم أيام على عدد تلك الأيام مطلقا، فلا يجوز تقييده ببعض الأوقات إلا بدليل, فيكون وجوب القضاء موسعا على التراخي لا على الفور, وكذا التقييد بالتتابع يكون
¬_________
(¬1) سيأتي تخريجه صفحة (536).
(¬2) ينظر: مناهج التحصيل 2/ 123.
(¬3) سورة البقرة: آية: 184.
(¬4) ينظر: بداية المجتهد 2/ 61.
(¬5) سورة البقرة: آية: 185.
(¬6) ينظر: شرح العمدة كتاب الصيام 1/ 342.
(¬7) سورة البقرة: آية: 184.
(¬8) ينظر مباحث المطلق في: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 3/ 3.