كتاب الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف

الدليل الثاني: عن أبي بكر الصديق أنه قال لعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - فيما أوصاه به: «مَن صام شهر رمضان في غيره لم يُقبَل منه, ولو صام الدهر أجمع» (¬1).
وجه الاستدلال: أفاد الأثر: أن من انتهك حرمة رمضان بإفطار يوم منه، كان كمن أخر صيامه إلى غير رمضان، فلا يُقبَل منه.
الدليل الثالث: عن علي - رضي الله عنه -، قال: «من أفطر يوما من رمضان متعمدا، لم يقضه أبدا طول الدهر» (¬2).
الدليل الرابع: عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: «من أفطر يوما من رمضان متعمدا من غير عِلَّة ثم قضى طول الدهر لم يُقبَل منه» (¬3).
الراجح: الذي يترجح -إن شاء الله- هو القول الأول: أنه يجب قضاء ذلك اليوم؛ وذلك لصحة ما استدلوا به؛ ولدلالته على المطلوب؛ ولأن الذمة لا تبرأ إلا بيَقين الأداء، وهو قضاء ذلك اليوم (¬4).
وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فيجاب عنه:
أن في أدلتهم ما هو ضعيف ولا يحتج به كحديث أبي هريرة وأثر أبي بكر وعبد الله بن مسعود - رضي الله عنهم - , وعلى فرض صحة كل ما استدلوا به, فقد أجاب أهل العلم عن معنى: «لم يقض عنه صوم الدهر» بما يلي:
قال ابن تيمية: "إنما كان كذلك: لأن الله سبحانه أوجب عليه صوم ذلك اليوم المُعيَّن, وذلك اليوم لا يكون مثله إلا في شهر رمضان. لكن صوم ذلك المِثل واجبٌ بنفسه أداءً, فلا
¬_________
(¬1) ذكره ابن حزم في المحلى 4/ 311، وقال الحافظ في فتح الباري 4/ 162: "فيه انقطاع".
(¬2) رواه ابن أبي شيبة 2/ 348 رقم 9785, في الصيام باب: من قال لا يقضيه وإن صام الدهر, ورقم 12571, كتاب الأيمان والنذور والكفارات باب: من يفطر يوما من رمضان.
(¬3) رواه البيهقي في السنن الكبرى 4/ 385 رقم 8067, في الصيام, باب التغليظ على من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا من غير عذر, وقال: "عبد الملك هذا أظنه ابن حسين النخعي، ليس بالقوي"، والطبراني في المعجم الكبير 9/ 314 رقم 9574, ومصنف عبد الرزاق 4/ 198 رقم 7476, في الصيام, باب حرمة رمضان, وابن أبي شيبة 2/ 347 رقم 9784, في الصيام, باب: من قال لا يقضيه وإن صام الدهر.
(¬4) ينظر: شرح البخاري لابن بطال 4/ 72.

الصفحة 568