كتاب الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف

الدليل الثاني: ولأن الحامل مريضة فلم يجب عليها إلا القضاء.
قال الإمام مالك -في الحامل-: "وأهل العلم يرون عليها القضاء كما قال الله عز وجل: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}، ويرون ذلك مرضا من الأمراض مع الخوف على ولدها" (¬1).
الدليل الثالث: ولأنها مفطرة بعذر؛ كالحائض. ولأن إيجاب الفدية إنما يجب على وجه الهَتْك (¬2)، فإذا لم يكن هتك لم يجب (¬3).
وأما دليلهم على أن المرضع إذا خافت على ولدها فلها أن تفطر وتقضي وتفدي: أن العذر ليس لمصلحتها، وإنما هو لأجل غيرها، فضعف أمرها عن الحامل والمريض (¬4).
الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الثاني: أنه يجب عليهما القضاء فقط دون الإطعام؛ لأنهما في حكم المريض، ولم يوجِب الله سبحانه وتعالى الإطعام عليه، فكذلك هما. وأيضا فقد سَوّى النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما وبين المسافر في وضع الصوم عنهم، ومعلوم أن المسافر يقضي ولا إطعام عليه، كما تقدم بيانه في وجه الاستدلال من حديث أنس بن مالك الكعبي ¢ في أدلة القول الثاني.
وأما الجواب عن أدلة الآخرين فيكون بما يلي:
أولا: أما الاستدلال بالآية على إيجاب الفدية على المرضع والحامل, فيجاب عنه:
أن الآية منسوخة؛ وأنها ليست في من لا يطيق الصوم, والدليل على ذلك قوله سبحانه وتعالى في آخر الآية: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} (¬5)؛ لأنها لو كانت في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام والمرضع والحامل، لم يناسب أن يقال لهم: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ}، مع أنهم لا يطيقون الصيام (¬6).
¬_________
(¬1) الموطأ 3/ 442 رقم 1090, وعنه البيهقي في السنن الصغرى 2/ 102 رقم 1353.
(¬2) الهَتْكُ: خَرْق السِّتْر عَمَّا وَرَاءَه، والاسْمُ الهُتْكة، والهَتِيكة: الفَضِيحَة. ينظر: النهاية 5/ 243, مختار الصحاح ص/324.
(¬3) ينظر: الإشراف للقاضي عبد الوهاب 1/ 439.
(¬4) ينظر: الإشراف للقاضي عبد الوهاب 1/ 439.
(¬5) سورة البقرة: آية: 184.
(¬6) ينظر: فتح الباري 8/ 181.

الصفحة 585