كتاب الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف
الترجيح: الذي يترجح في هذه المسألة -والله أعلم- هو القول الأول: القاضي بصحة الصيام عن الميت فيما وجب في ذمته، من صوم واجب؛ سواء أكان قضاء من رمضان، أو كفارة، أو نذر؛ وذلك لما يلي:
الأول: قوة أدلته، حيث جاءت أدلته نصية صريحة في الدلالة على صحة النيابة عن الميت في الصوم مطلقا، وبألفاظ لا تحتمل غير ذلك؛ نحو قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث عائشة - رضي الله عنها -: «من مات وعليه صوم صام عنه وليه»، وفي حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قوله للرجل الذي سأل عن صوم شهر كان على أمه، وقد ماتت؛ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «فدين الله أحق أن يقضى».
الثاني: ضعف ما استدل به أصحاب القول الثاني وبيانه كما يلي:
أولا: أما قولهم في حديث ابن عباس: إنه جاء نصا صريحا في قضاء صوم النذر عن الميت، فيجب المصير إليه، ويحمل ما جاء مجملا في الروايات الأخرى على ما جاء مفسرا في هذه الرواية، فيجاب عنه:
أنهما واقعتان لرجل وامرأة، فهما حديثان مختلفان، لا روايتان لحديث واحد حتى يحمل المجمل على المفسر، فتبقى كل منهما على مدلولها، ولا تقيد الأولى بالثانية، بل تبقى على عمومها (¬1).
ثانيا: وأما قولهم: إن حديث عائشة - رضي الله عنها - مطلق وحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - مقيد، فيحمل عليه، ويكون المراد بالصيام صيام النذر, فيجاب عنه:
أنه ليس بين الحديثين تعارض حتى يجمع بينهما، فحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - صورة مستقلة، سأل عنها من وقعت له وهي صيام النذر عن الميت، وهذا من التنصيص على بعض أفراد العام فلا يصلح لتخصيصه ولا لتقييده كما تقرر في الأصول (¬2).
وأما حديث عائشة - رضي الله عنها - فهو تقرير لقاعدة عامة، وهي قضاء جميع ما وجب عليه من الصيام (¬3).
ثالثا: وأما استدلالهم بأثر ابن عباس - رضي الله عنهما -، فيجاب عنه:
¬_________
(¬1) ينظر: إحكام الأحكام 2/ 26، وتيسير العلام ص: 334.
(¬2) ينظر: رفع النقاب 4/ 244، إرشاد الفحول 1/ 336.
(¬3) ينظر: فتح الباري 4/ 193، إحكام الأحكام 2/ 26، نيل الأوطار 4/ 280.